لقاء المساء

Ca5417870c828a87b4763f57614a00da 796x1024

لقاء المساء

عاد عصام إلى الفيلا متأخراً، الشمس قد غابت وترك خلفها شفقاً أرجوانياً.

 وجد العشاء جاهزاً على طاولة المطبخ، طبقاً من الفاصوليا البيضاء بلحم الدجاج.

 جلست ميرفت على الطرف الآخر من الطاولة، تأكل بصمت.

كانت ترتدي بيجاما قطنية بسيطة، شعرها مبلول كما لو أنها استحمت للتو.

 لم ترفع عينيها من طبقها.

أكلا في صمت ثقيل، فقط صوت الملاعق على الأطباق يملأ المكان.

 بعد أن انتهيا، جمعت ميرفت الأطباق وبدأت تغسلها.

 وقف عصام بعيداً قليلاً، يتأملها لحظة قبل أن يتكلم.

“اليوم قضيت اليوم كله في المصنع.”

“أه.” كان ردها محايداً.

“لقيت إن فيه مشاكل كتيرة كانت متغاضى عنها.”

صمتت، تنتظر أن يكمل.

“والعمال… مش راضيين عن طريقة أبوي في المعاملة.”

هنا التفتت إليه قليلاً، ثم عادت إلى غسل الصحون.

“أنا مش عايز أكمل على نفس المنوال.”

“كلامك جميل.” قالت، لكن صوتها كان حيادياً.

أخرج من جيبه الرقم الذي تركته له بجانب فنجان القهوة في الصباح.

 أخرج هاتفه المحمول من جيبه، وفتح السماعة الخارجية.

“تعالي.. هتسمعي معايا المكالمة دي” قالها وهو يشير إلى الهاتف.

نظرت إليه بدهشة، ثم أومأت برأسها.

جلس على الأريكة في الصالة، وأدار الهاتف على وضع السماعة الخارجية.

 جلست ميرفت على كرسي.

بدأ يدق الرقم.

طنين… طنين…

“ألو؟” صوت رجل عجوز خشن.

“معايا عم عادل؟”

“أنا مين معايا؟”

“أنا عصام… ابن عمر.”

“آه… ابن أمل. أهلاً وسهلاً. أولاً تعازي الحارة في أبوك وأمك، الله يرحمهم ويغفر لهم. وثانياً اعتذر عن عدم الحضور، الظروف ماقدرتش.”

“شكراً. عمي، أنا عايز أتكلم معاك في موضوع مريم.”

“مريم؟ مالها؟”

“عايزك تبعتهالي مصر بأسرع وقت.”

صمت طويل في الطرف الآخر. ثم: “مش ممكن يا بني.”

“ليه؟”

“لأن في حد متقدملها.”

“متقدملها؟ يعني إيه؟”

“راجل شريكي في العمل،هو متزوج وعنده عيال، لكنه رجل تقي وميسور و بيعرف ربنا و ما بيسيبش فرض.”

شَحَبَ وجه عصام. “يعني عايزين تجوزوها لراجل متزوج وهي عندها 18 سنة بس؟”

“أيه المشكلة؟ هو رجل مؤمن، وعمره مش كبير أوي،.”

كان صوت عصام يرتفع دون أن يشعر: “إزاي احترام؟ دي بتاع! دي عملية بيع!”

“اسمع يا بتاع المؤمن انت. انت ما لسى مش عارفني، انا اختي تكون عندي خلال اقل من أسبوع وألا قسما عظما حتشوف مني الي ما يخطرش علا بال انس ولا جن”

“بتهددني؟”

“ايوه بهددك و ما يخطرش في دماغك المريض انك بعيد و اني ما اقدرش اوصلك انا ليا معارف في السعوديه اكتر واصيع من أي حد عرفتو في حياتك و بمكالمة وحده مني ممكن اخلي حياتك جحيم.”

“حاول تجربني لو عايز يا بتاع الشيخ يا خول”

 

أغلق المكالمة بقوة، صدره يعلو ويهبط من شدة الغضب.

 وضع الهاتف على الطاولة، ثم رفع عينيه نحو ميرفت.

في الزاوية، كانت ميرفت قد توقفت مصدومة.

 عيناها كانتا واسعتين، تلمعان في ضوء المصباح الخافت.

 لم تكن قد سمعت عصام يتكلم بهذه القوة والحزم من قبل.

 هذا الجانب الرجولي منه – القوة التي لا تنبع من غرور أو قسوة كأبيه، بل من شعور عميق بالمسؤولية والعدالة – جعل شيئاً في صدرها يذوب.

كانت تراه دائماً ذلك الشاب الحساس الذي يحاول أن يكون لطيفاً، الذي تذوب قسوته حين يقترب منها.

 لكن هذا العصام الذي يتحدث بثقة ويطالب بحقوق أخته بلا خوف… هذا كان رجلاً مختلفاً.

قام عصام، ظهره لها، يحدق في الحائط.

 ثم التفت فجأة، فالتقت عيناه بعينيها.

 لم تنظر بعيداً هذه المرة.

 كانت عيناها تقولان شيئاً لم تستطع كلماتها قوله.

“كوني واثقه اني حجيبها.” قال فجأة، صوته لا يزال يحمل بقايا الغضب لكنه أكثر هدوءاً.

أومأت برأسها، عيناها تدمعان. “مش عارفة أقولك إيه.”

“مافيش داعي تقويلي حاجه .

 بس أوعدك: مريم هترجع لك.”

في تلك اللحظة، بينما كان الوقوف في صالة الفيلا الفسيحة، وهما منفصلان بمسافة، شعرت ميرفت بأن الجدار الذي بناه بينهما بالأمس قد تهشّم قليلاً.

 ليس لأنها اعتذرت، ولا لأنه غفر لها، بل لأنه في لحظة الغضب والمواجهة، رأت الجوهر الحقيقي للرجل الذي نامت معه – رجل لديه مبادئ، يستخدم قوته لحماية الضعفاء، لا لاستغلالهم.

أدارت وجهها كي لا يرى الدموع التي بدأت تسيل، لكن صوتها وصل إليه خافتاً وصافياً:

“أنا فاهمة غلطتي… وفاهمة إن كرامتك أغلى من أي حاجة. ومستحيل أجرحك تاني.”

“ما تشيليش هم” قالها وهو يلتقط هاتفه وسار متجها الى السلالم المؤدية الى غرفته في الطابق الثاني .