قطار الذهب ومرافئ العزلة
عند أطراف ذلك الحي القذر، حيث تتداخل الأزقة الضيقة المتربة بالشوارع الإسفلتية المتآكلة، وقفت الفتيات الثلاث تحت ضوء النهار اللامع كأنهن طيور مهاجرة انشقت عن هذا الوحل.
كانت سارة وياسمين وأحلام يرتدين ملابس أنيقة، منسقة بذكاء لا يوحي أبداً بأنهن خرجن من صلب تلك البيئة العشوائية الطاردة؛ ملابس تخفي وراء غزلها الرفيع آثار الليلة العاصفة والدماء المسفوكة على الجباه.
كن يحملن حقائبهن الجلدية الثقيلة التي غصت أحشاؤها بالذهب والعسجد والمجوهرات المنهوبة، متأهبات لخطوة العبور الكبرى.
أشارت سارة ببرودها المعهود لسيارة أجرة، وما إن توقفت حتى صعدت لتدلف إلى المقعد الأمامي بجانب السائق لتتولى إعطاء التوجيهات بسكونها القيادي، بينما استقرت ياسمين وأحلام في المقعد الخلفي الوثير. التفتت سارة نحو السائق وأملت عليه عنواناً محدداً في عمق القاهرة، لينطلق المحرك مخلفاً وراءه غبار الحارة القديمة للأبد.
استغرق الطريق زهاء الساعتين، دارت خلالهما في صدر ياسمين معركة نفسية وحشية؛ كانت تستشيط غضباً وتغلي مرجلاً من الحنق، وتحاول جاهدة الإمساك بزمام أعصابها وكبح جماح وحشيتها المعهودة رغماً عنها وعن طباعها الحادة.
والسبب في ذلك بركان غيرة مريض تفجر في أعماقها، بعدما لمحت عبر زجاج المرآة الأمامية نظرات السائق المتلصصة، الجائعة والوقحة، وهي تلاحق تفاصيل وجه أحلام النضر.
كانت ياسمين تقبض على معصميها حتى ابيضت عظام أصابعها، متمنيةً لو تنبش حد سكينها في مآقي هذا الغريب الذي يجرؤ على استباحة عصفرتها بنظراته، بينما ظلت أحلام غافلة ترقب الشوارع الممتدة عبر النافذة.
أخيراً، تهادت السيارة لتتوقف أمام العنوان المنشود في قلب العاصمة.
نزلت الفتيات، وطلبت سارة من ياسمين وأحلام بنبرة خفيضة صارمة أن ينتظراها في الخارج بجوار الرصيف ومراقبة الأجواء، بينما خطت هي بثقة نحو محل ضخم، شاهق ومبهر لبيع المجوهرات الثمينة.
ما إن وطئت أقدام سارة عتبة المحل البراقة، حتى وقعت عينا صاحبه عليها؛ تعرّف على ملامحها الشاحبة فوراً، فاقترب منها مسرعاً بملامح حذرة يلفها الترقب.
دار بينهما حديث خاطف على انفراد، بعيداً عن مسامع الزبائن والحراس، حيث تلاقت الحسابات القديمة بالغنائم الحالية.
بغريزة الحيتان التي تبتلع الذهب من غير سؤال، طلب منها الصائغ أن تخرج فوراً لتدخل عبر باب حديدي خلفي مخصص للمصالح السرية الكبرى.
خرجت سارة بمظهرها البارد، وأخذت إحدى الحقائب الثقيلة من يد ياسمين، واتجهت باتجاه الزقاق الضيق الملاصق للمتجر لتختفي وراء الباب الخلفي.
استمر غيابها زهاء النصف ساعة، وهي فترة بدت لياسمين كأنها دهر من الترقب والانتظار وسط همهمات العاصمة الصاخبة.
.
في غمرة ذلك الانتظار وعلى رصيف الشارع الواسع، التفتت أحلام نحو ياسمين، ولاحظت ببراءتها وفطرتها النقية ذلك الوجوم والتوتر اللذين يغلفان ملامح الفتاة الشرسة.
قالت أحلام بصوت مخملي خافت:
“إنتي ما كنتيش على بعضك خالص في العربية يا ياسمين.. مالك؟ في حاجة مضيقاكي من ساعة ما خرجنا؟”
التفتت ياسمين إليها، والنار لا تزال تنهش حنجرتها، وأجابت بنبرة حادة ومبحوحة من فرط الاحتقان:
“إنتي ما خدتيش بالك من نظرات الحيوان الكلب ده ليكي في المراية طول الطريق؟ كان عايز ياكلك بعينيه.. وأنا دمي كان بيغلي ومش قادرة أستحمل حد يبصلك بالطريهقة دي.”
سمعت أحلام هذه الكلمات، ولأول مرة منذ معرفتهما، انطلقت من بين شفتيها الوردية ضحكة عفوية، صافية ورنانة، ضحكة هزت أوتار قلب ياسمين ومسحت برود الأجواء.
التمعت عيناها الرماديتان ببهجة مباغتة وقالت مداعبة:
“هو.. هو إنتي بتغيري عليا يا ياسمين؟”
كانت تلك هي المرة الأولى التي ترى فيها ياسمين أحلام وهي تضحك؛ تلاشت ملامح العبوس والقسوة عن وجه ياسمين فوراً، لتحل محلها دهشة طاغية وبهجة عارمة أسرت كيانها بالكامل. كأنها لم تسمع السؤال، بل استسلمت لسحر الثغر الباسم والغمز الطفولي في عينيها و الغمازتين الناعمتين اللتين ظهرتا على وجنتيها. تطلعت إليها بشغف وولع أعمى، وقالت بنبرة تقطر عشقاً مستعراً:
“إنتي.. إنتي ضحكتك تجنن يا عصفرتي.. بتهد جبال وتضيع عقل العاقل!”
ثم استرسلت ياسمين بصدق جارف لم تعهده من قبل: “إيوه بغير.. عليكي إنتي بالذات بغير وليا الحق. إنتي ما بتشوفيش نفسك في المراية يا أحلام؟ ما بتعرفيش جمالك ونعومتك والانوثة اللي فيكي بتعمل إيه في القلوب؟ جمالك ده يخليني أتمنى آكلك . وأخبيكي جوه ضلوعي عن عيون الناس والدنيا كلها.”
احمرت وجنتا أحلام بحمرة الخجل القاني، واهتز صدرها بأنفاس متسارعة تحت ثيابها الأنيقة، وأشاحت بنظرها نحو الأرض بوجل شديد، إذ عجز لسانها عن استحضار أي تراكيب أو كلمات تليق بالرد على هذا التغزل الصريح والاعتراف الواضح بالامتلاك والولع.
.
قطع تلك اللحظة الشجية عودة سارة بخطواتها الحازمة والواثقة من الزقاق الخلفي.
لم تعد تحمل الحقيبة القديمة المليئة بالذهب المستباح، بل كانت تحكم قبضتها على حقيبتين جلديتين جديدتين، أكبر حجماً وأثقل وزناً، محشوتين برزم من السيولة النقدية والملايين التي دفعها الحوت ثمناً لغنائم السطو.
لم تضع سارة دقيقة واحدة؛ أوقفت سيارة أجرة أخرى، وطلبت من السائق التوجه إلى شارع رئيسي يبعد فضاء شارعين فقط عن موقعهما الحالي.
وهناك، أمام واجهة زجاجية مصقولة، ترجلت الفتيات الثلاث ليدخلن إلى مكتب عقارات فخم يفوح برائحة المال والتجارة الراقية.
جلست الفتيات على المقاعد الجلدية الوثيرة، وتولت سارة بنبرتها الحاسمة الحديث مع الرجل الخمسيني القابع خلف المكتب الضخم، قائلة:
“احنا عاوزين بيت.. بيت يكون معزول شوية عن الدوشة وعيون الناس، ويكون جاهز ومتشطب بـأساس جديد من قريبه.. مش عاوزه وجع دماغ وتجهيزات.”
أصلح صاحب المكتب نظارته الطبية، وابتسم بنهم التجار بعد أن لمح هيبة الفتاتين والحقائب الثقيلة، ورد بنبرة ترحيبية:
“طلبك موجود عندي وعندي تماماً يا فندم.. في فيلا صغيرة، لسه جديدة ومتشطبة سوبر لوكس، ومعاها حتة جنينة مستقلة.. والفيلا متجهزة بالكامل بأثاث فخم وجديد .
لو حابين، ممكن نطلع دلوقتي فوراً بالعربية ونتفرج عليها على الطبيعة.”
سألته سارة بحذر: “هي بعيدة كتير عن هنا؟”
أجابها بأدب: “يعني.. بتاع ساعة بالظبط بالعربية، في منطقة هادية وراقية وبعيدة عن زحمة القاهرة.”
ركبت الفتيات الثلاث مع السمسار في سيارته الخاصة، واتجهوا نحو المقصد الجديد عبر طرقات واسعة غابت عنها ملامح العشوائية والقذارة.
عند وصولهم، انفتحت البوابة الحديدية لتظهر الفيلا كمحراب من العزلة والرفاهية المطلقة؛ كانت جميلة جداً، مبنية بهندسة حديثة وتناسق مبهر للألوان.
تسللت الفتيات إلى الداخل لاستكشاف أرجائها؛ احتوى الطابق الأرضي على صالة عريضة فسيحة ذات أرائك مخملية ناعمة، ومطبخ عصري مجهز بأحدث التقنيات، وحمام واسع يضم “جاكوزي” كبيراً يشع ببريق البورسلان والرخام الصافي، وهو تفصيل أثار لمعة غامضة في عيني ياسمين وسارة.
أما الطابق الثاني، فقد كان يحتوي على حمام إضافي، وغرفتي نوم كبيرتين تفيضان بأثاث فخم للغاية وأسرة ملكية وارفة، وتتصل بهما شرفة واسعة تطل على الحديقة الخضراء الصغيرة المحيطة بالفيلا، حيث ينساب الهواء العليل بلا كدر.
أعربت الفتيات وخصوصاً أحلام التي بدا وجهها كمن يرى الجنة بعد عذاب الجحيم عن إعجابهن الشديد بالفيلا وتناسقها المبهر.
ولم تضع سارة وقتاً في المفاوضات؛ بل أومأت برأسها معلنةً الموافقة، وعادوا أدراجهم سريعاً إلى مكتب العقارات من أجل دفع القيمة المالية الكاملة كاشفاً من تلك الحقائب الثقيلة، وتوقيع عقود الملكية النهائية التي ستعزل الفتيات الثلاث في هذا الوكر الجديد المشحون بالثروة والشغف المكتوم.
ساد صمت رصين داخل مكتب العقارات الفخم، صمت قطعه قعقعة الأوراق الرسمية المطبوعة وجلجلة قلم الحبر الجاف فوق سطح المكتب الزجاجي المصقول. كانت خيوط العصر قد بدأت تلمم أطرافها، لترمي بظلال دافئة عبر النوافذ العريضة للمكتب.
تمدد السمسار الخمسيني في مقعده الجلدي الوثير، والابتسامة الجشعة لا تفارق شفتيه بعد أن تيقّن من إتمام الصفقة الكبرى وجني عمولته الدسمة من هذه البيعة الخاطفة.
أصلح الرجل نظارته الطبية، وسحب العقد المكون من عدة نسخ كربونية، ثم التفت نحو سارة بنبرة مهذبة يملؤها نهم التجار:
“تمام يا فندم، كدة كل البنود جاهزة ومتفق عليها.. بس ياريت حضرتك تديني البطاقة الشخصية عشان نسجل بيانات المشتري في عقد الملكية النهائي، ونقفل الملف قانونياً.”
في تلك اللحظة بالذات، جمدت سارة حركتها، وببرودها الجليدي المعهود الذي يسبق العواصف، لم تمد يدها نحو حقيبتها لتخرج بطاقتها. بل بدلاً من ذلك، التفتت برأسها ببطء نحو أحلام الجالسة بجوار ياسمين؛ كانت سارة تلاحق ملامح وجه الفتاة بنظرة ثاقبة، متفحصة، تقرأ من خلالها تفاصيل الدهشة المخبوءة في قعر روحها المنكسرة.
التفتت سارة نحو السمسار وقالت بنبرة حاسمة، باردة ولا تقبل النقاش، مفجرة قنبلة مدوية من العيار الثقيل:
“لا حضرتك.. الفيلا دي مش هتتسجل باسمي.. الفيلا دي هتتسجل باسم العصفورة دي.”
نزلت الكلمات كالصاعقة في أرجاء المكتب؛ وتسمرت أحلام، فقد تجمدت في مكانها تماماً كتمثال من رخام تائه، وشعرت ببرودة مباغتة تسري في عروقها، عاجزة عن استيعاب أو تصديق ما التقطته مسامعها للتو.
فيلا كاملة، بملايين الجنيهات، وفي أرقى مناطق العاصمة، تتحول بلمحة عين لتصبح ملكاً خالصاً لها، وهي الفتاة اليتيمة المشردة التي كانت قبل ساعات قليلة تبحث عن مأوى يحمي عريها فوق أسطح الحي القذر.
مدت سارة يدها النحيلة نحو أحلام، وقالت بصوت مخملي دافئ: “هاتي بطاقتك يا أحلام.. هاتي هويتك عشان نسجل البيت باسمك.”
بحركات آلية، تائهة ومحكومة بذهول مطلق، فتحت أحلام حقيبتها الصغيرة بيد مرتجفة ارتعاشاً عنيفاً كأنها ورقة شجر في مهب ريح خريفية..
تلاقت أصابعها بقطعة البلاستيك الصغيرة التي تحمل هويتها، وأخرجتها ببطء شديد وهي تنظر إلى سارة ثم إلى ياسمين، وعيناها الرماديتان الواسعتان تفيضان بتساؤلات حائرة وعجز عن النطق.
على الجانب الآخر من المقعد، لم يبدُ على وجه ياسمين أي أثر للدهشة أو المفاجأة؛ بل ظلت مستندة بظهرها العريض، وعيناها تلاحقان ارتعاشة أحلام بشفقة وشغف صامت.
لم تكن ياسمين متفاجئة لأن هندسة الجريمة الباردة كانت تقتضي ذلك، وكانت على علم مسبق بالخطة الإستراتيجية التي رسمتها سارة .
فتسجيل الفيلا الفخمة باسم سارة أو ياسمين كان سيمثل انتحاراً قانونياً صريحاً، وسيفتح عليهما أبواب الجحيم ويطرح تساؤلات ضخمة من أجهزة الدولة والأموال العامة؛ إذ إن ملفاتهما الأمنية في قاع الحي لم تكن نظيفة قط، وتاريخهما مثقل بالشبهات والمطاردات، على عكس أحلام..
أحلام تلك الفتاة البيضاء، النقية، التي يملك سجلها المدني صفحة بكر ناصعة كثوب زفافها المفقود، ولا تحوم حولها شبهة واحدة، مما يجعلها الستار المثالي والدرع القانوني لحماية ثروة الذهب المنهوب.
التقطت سارة البطاقة الشخصية من أصابع أحلام المرتعشة، وقدمتها للسمسار الذي بدأ يملأ الخانات بسرعة ممتزجة بذهول مستمر.
بدأت الحروف ترتسم فوق ورق العقد، لتعلن رسمياً انتقال ملكية المحراب الجديد إلى “أحلام”، وتحولها من طريدة مستباحة إلى صاحبة أملاك تملك سلطة المكان.
وقعت أحلام في المواضع المخصصة بتوقيع واهن يرتجف، بينما تولت سارة دفع المبالغ المالية من الحقائب الثقيلة، لتنتهي الإجراءات بحسم وتصبح مفاتيح اللفيلا في حوزتهن.
خرجت الفتيات الثلاث من المكتب، والنهار يلفظ أنفاسه الأخيرة، ممهداً الطريق لليلة جديدة في قصر العزلة الفخم؛ ليلة لن تحكمها جدران الحارة القديمة، بل ستصاغ تفاصيلها تحت سقف واحد يجمع الثروة، والامتناع،
قبل أن تطأ أقدام الفتيات الثلاث عتبة العزلة الجديدة، كان لا بد من إتمام طقوس التطهير التام من أدران الماضي؛ فتوجهت سارة وقادت الموكب نحو أحد المطاعم الشاهقة والفخمة في أرقى أحياء العاصمة، حيث تناولت الفتيات وجبة عشاء دسمة وفاخرة، تليق بالملايين القابعة في أحشاء حقائبهن.
جلست أحلام كملكة متوجة تحيط بها الرعاية من كل جانب؛ ياسمين تتابع حركاتها بوله مستجد، وسارة تدير الجلسة بوقار الحيتان المنتصرة.
بعد الفراغ من العشاء، انتقلن إلى مركز تجاري ضخم (سوبرماركت وومحلات أزياء عالمية)، وهناك انطلقت الشرارة الأولى لتبديل الهوية البصرية.
لم تبخل سارة بالمال؛ بل تركت الحبل على غاربه، واشترت كل واحدة منهن كل ما ترغب باقتنائه وشراءه من الملابس الفاخرة، و المكاييج و الاكسسوارات والفساتين المخملية، والثياب المنزلية الحريرية الناعمة التي تليق بتضاريس أجسادهن.
كانت الحقائب الكرتونية الفاخرة تتكاثر بين أيديهن، قبل أن يستقللن سيارة أجرة جديدة، وانطلقن باتجاه قصر العزلة.. باتجاه فيلتهن الجديدة التي غدت صك الأمان وملاذ الشغف.
انفتحت البوابة الحديدية للفيلا بصمت، ودلفت الفتيات إلى الداخل والظلام يلف الأرجاء لولا الأضواء الدافئة التي أشعلتها سارة بلمسة زر.
توجهت سارة أولاً لتأمين ثروة العمر؛ وضعت الحقائب الجلدية المحشوة برزم السيولة النقدية في مكان آمن، داخل خزانة مصفحة ومخفية بعناية فائقة بعيداً عن المتطفلين.
عادت سارة إلى الطابق الأرضي، حيث كانت ياسمين وأحلام قد استقرتا بأجسادهن المنهكة على الأرائك المخملية الوثيرة، ذات اللون الداكن والنعومة الطاغية التي تنسي المرء شقاء السنين.
ساد صمت قصير قطعه توتر مباغت واهتزاز في نبرة أحلام؛ كانت الفتاة الرمادية تعتصر أصابعها النحيلة، وعيناها تدوران بين معالم الفخامة المحيطة بها، قبل أن تنفجر الأسئلة المكبوتة في صدرها بحياء وخجل ممتزجين بحيرة قاتلة.
التفتت أحلام برأسها نحو سارة، وقالت بصوت خافت يرتجف بالتوتر:
“أنا.. أنا مش فاهمة أي حاجة يا جماعة..
أنتوا بتعملوا كل ده علشان مين؟ وعلشان إيه بالظبط؟ أنا واحدة غريبة مالهاش عازة..
وكمان، طالما أنتوا معاكم كل الفلوس والخير ده كله.. كنتم عايشين فوق السطوح والبهدلة دي ليه؟
وفي ألف سؤال وسؤال بيدور في دماغي ومش عارفة إجابة واحدة ليهم.. حاسة إني في حلم ومش قادرة أستوعب.”
سكتت أحلام، وساد صمت قصير ثقيل بين الفتاتين؛ تبادلت سارة وياسمين نظرة سريعة، نظرة محملة بتفاهم مسبق وأسرار لا يجوز نبشها في هذه اللحظة الوردية.
تنهدت سارة بعمق، واقتربت من أحلام، ثم أجابتها بنبرة مخملية دافئة، تقطر ببرود منسق وحنان زائف يمتص حيرتها:
“أنا فاهمة كل تساؤلاتك دي يا حبيبتي..
وعارفة إن مخك مش قادر يجمع اللي بيحصل..
بس صدقيني، هتعرفي إجابتها كلها مع الوقت..
كل حاجة هتبان في وقتها المناسب.
المهم والأهم دلوقتي..
إنك تفهمي وتتأكدي إننا بنحبك بجد، وكل هدفنا في الدنيا دي هو سعادتك وراحتك..
وإنتي خلاص بقيتي حتة مننا.”
استقامت سارة في وقفتها بحسم، وتوجهت نحو الحقائب الورقية الفاخرة التي جلبتها من المتجر الكبير.
أمسكت بثلاثة أكياس ورقية أنيقة ذات غزل فاخر؛ تقدمت بخطوات رشيقة وأعطت واحداً لياسمين، ثم انحنت وأعطت الأخر لأحلام، والتمعت عيناها الشاحبتان ببريق غامض وهي تقول:
“يلا.. كل حد فيكم دلوقتي يطلع لغرفة من الغرف اللي فوق، ويبدل هدموها بالهدوم الجديدة اللي جوه الأكياس.. وأنا كمان حأبدل وأتخلص من تعب اليوم.”
نظرت أحلام إلى الكيس بين يديها، ثم التفتت بعينيها الرماديتين نحو الحمام الأرضي الفخم الذي يضم “الجاكوزي” الكبير الفسيح، وشعرت برغبة عارمة في غسل حزنها وشقاء جسدها بالماء الدافئ.
قالت بصوت مخملي ناعم:
“طب.. أنا حادخل أستحمى في الحمام الجميل ده الأول.. وآخذ راحتي في المية، وألبس الهدوم دي جواه.”
ابتسمت سارة بعذوبة، ونظرت إلى ياسمين التي كانت تتابع جسد أحلام بشغف مستعر وسُعار مكتوم، وقالت لأحلام:
“تمام يا حبيبتي.. خدي وقتك وخلصي براحتك.. وأول ما تخلصي هتلاقينا فوق مستنيينك في غرف النوم.”
انا عايزة اشوف الهدوم الي اخترتهالكم دي حتطلع عليكم ازاي
تحركت أحلام بـخطى رشيقة نحو باب الحمام، والحقيبة الورقية بين يديها، بينما استقامت سارة وياسمين لـيصعدا درجات السلم الرخامي نحو الطابق العلوي، لتستعد الفيلا لليلتها الأولى الأكثر سخونة وإثارة، حيث سيلتقي عاج الجسد المغسول بالنقاء بذئاب الشغف المكتوم .