صقيع المفاجأة: العتبة المدنسة
اندفعت الفتاتان عبر الزقاق الملتوي، ونشوة الغنيمة العسجدية تتدفق في عروقهما كشراب مسكر، لكن تلك الطمأنينة تلاشت وتبخرت تماماً عند عتبة الشقة الأرضية.
تحت الضوء الشاحب والميت للممر، تيبّست أقدام سارة وياسمين؛ لم يكن الباب موصداً بإحكام كما توقعتا، بل كان موارباً بـخزي، والعتلة الحديدية الفولاذية قد تم خلعها وتحطيم أطرافها الخشبية بعنف برزت معه مساميرها الصدئة.
تبادلت الفتاتان نظرة مباغتة وشاحبة، شابها قلق مسموم وتوتر لافح كاد يقطع أنفاسهما.
وفي جزيء من الثانية، تحركت سارة بـغريزتها القيادية الباردة، وأمسكت بـمعصم ياسمين المفتول بقوة، رافعةً سبابتها النحيل أمام شفتيها في إشارة صارمة تأمرها بـالتزام الصمت المطبق والتحرك بلا قعقعة.
دفعت سارة الدرفة الخشبية بـرفق شديد، مسترقة السمع بنبضات قلب متسارعة، وحاولت اختراق العتمة الدامسة عبر الفتحة الضيقة للباب.
لم تبصر عيناها الشاحبتان شيئاً في عتمة الصالة، لكن أذنيها التقطتا صوتاً مزق سويداء قلبها: أنات محبوسة، مخنوقة، وآهات عذاب متقطعة قادمة من عمق غرفة أحلام.
بدأت سارة تتسلل بـخفة الأفاعي إلى الداخل، وتبعتها ياسمين والشرر يكاد يتطاير من عينيها المتجمرتين.
ما إن اخترق فحيح تلك الأنات الخافتة مسامع ياسمين، حتى تملّكها سُعار وحشي أطاح بـكل حذرها. ألقت بـحقيبة المجوهرات الثقيلة جانباً لتتطوح على الأرض بلا مبالاة، وركضت باندفاع إعصاري نحو الغرفة الداخلية، دافعةً الباب بـكل ما أوتيت من قوة بدنية، حتى كاد اللوح الخشبي ينفصل عن مفصلاته معلناً الاستباحة.
كان المشهد داخل الغرفة يفيض بـالخسة والدناءة؛ استقرت أحلام على فراشها عارية تماماً كـقطعة عاج مهشمة، بعد أن تم تمزيق ثوبها الزهري الجديد ونثره كـأشلاء ملوثة على الأرض الباردة.
كان هناك شاب يتخذ وضعية بربرية فوق جسدها، يثبت يديها النحيلتين فوق رأسها ضاغطاً بركبته القاسية عليهما، بينما يطوق كفيها المربوطين معاً بـسلك كهربائي غليظ، ويضع يده الأخرى الغليظة فوق فمها ليكتم صرخاتها المرتجفة ويحبس دموع عينيها الرماديتين خلف جدران حنجرتها.
وعلى الطرف الآخر من الفراش، كان الشاب الثاني مقرفصاً بين فخذيها البيضاويتين، يهم بـنزع سرواله بـشهوة حيوانية قذرة.
بمجرد أن أبصر الشاب الجاثم فوق صدرها ياسمين وهي تقتحم الغرفة كـملك الموت، تملكه رعب صاعق؛ أفلت يدي أحلام بـذعر، واندفع ركضاً نحو المخرج طلباً للنجاة.
لم تعترض ياسمين طريقه، فـثقتها بـسارة التي تتبعها كانت مطلقة، وتدرك أن شريكتها تتولى حراسة الظهر.
التفتت ياسمين بـكامل غضبها وسُعارها نحو الشاب المقرفص بين الفخذين؛ حاول الأفلت والتحرك، لكن مخالب ياسمين كانت أسرع.
أخرجت نصل سكينها الحاد بـلمحة عين، وقبضت على خصلات شعره بعنف، حافرةً حد السلاح على عنقه بـقسوة لا ترحم.
وفي الصالة الخارجية، لم يكد الشاب الهارب يعبر العتبة حتى استقبلته سارة بـركلة دفاعية خارقة من حذائها العسكري المدبب، أصابت خصيتيه بـكل ما تملك من حقد وقوة؛ فسقط الفتى على الفور، منكمشاً على نفسه ومغشياً عليه من شدة الألم.
سحبت ياسمين الشاب من شعر رأسه بـإهلال مهين، والسكين لم تبارح جلده الطري، وخرجت تجره عبر الممر كـشاة معدة للذبح حتى بلغت الشارع.
كانت عقارب الساعة قد تجاوزت الثالثة فجراً بقليل، والحي غارق في سكونه الآسن.
وقفت ياسمين أمام عتبة البيت الخارجية، متشبثة بـشعر الذئب الجاثي تحت قدميها، وقد تسبب ضغط يدها في حفر جرح خفيف على رقبته بدأ ينضح بـخط من الدماء القانية.
رفعت رأسها نحو الشرفات والنوافذ المغلقة، وصرخت بـصوت جهوري، حاد ومزلزل مزق سكون الفجر:
“اطلعولي هنا يا حارة خولات! تعالوا اتفرجو على اللي يفكر يقرب من حد يخصنا.. نهايته هيبقى شكلها إيه تحت رجلينا!”
في تلك الأثناء داخل الغرفة، كانت سارة تتحرك بـحنان غريب؛ فكت القيد السلكي عن معصمي أحلام المرتعشين، ولفت جسدها المرتجف بـغطاء السرير القطني، ثم دثرتها بين ذراعيها واصطحبتها بـخطى وئيدة إلى الخارج لتشهد العقاب.
كان المشهد في الشارع مرعباً؛ ياسمين تهم بـتمرير النصل على رقبة الشاب لقطع دابر أنفاسه.
وحين أبصرت أحلام ذلك، وسمعت وعيد ياسمين الصاخب، صرخت بـنبرة متوسلة، يملؤها الرعب والارتجاف:
“أرجوكي بلاش يا ياسمين.. أرجوكي بلاش !”
خطت سارة نحو ياسمين بهدوء جليدي يناقض العاصفة المحيطة، ووضعت يدها على كتفها قائلة بصوت منخفض وحازم: “ياسمين بلاش.. ما تنسيش إن الوقت مش مناسب، بلاش تتهوري.”
التفتت ياسمين إليها، والدموع المتحجرة في عينيها تلمع بـسُعار الغضب والإهانة، وصرخت: “ده كان هيغتصب أحلام يا سارة! إنتي فاهمة يعني إيه؟ كان هيغتصب اخلام!”
لم تتكلم سارة؛ بل التفتت بـبرودها القاتل نحو الشاب الجاثي بلا حراك، ورفعت ساقها لتسدد له ركلة ساحقة بـكعب حذائها القاسي استهدفت خصيتيه بـغلٍّ دفين، ليسقط الفتى بين قدميها متلوياً بلا أنفاس، والدم يسيل من الجرح في عنقه.
نظرت سارة إلى ياسمين وقالت بنبرة حاسمة:
“مش هيقدر يغتصب حد بعد النهاردة.”
لكن غليل ياسمين لم يشفَ، ونار الثأر لـ أحلام كانت لا تزال تتأجج.
انحنت، وأمسكت بـشعر الشاب الملقى أرضاً، رافعةً وجهه الشاحب، ومررت نصل سكينها بـخط مستقيم وعميق على طول جبهته، تاركةً شقاً غائراً يتدفق منه الدم، ويكون بمثابة وسم أبدي يذكره بـوساخته كلما نظر في مرآة مستقبله.
لم تكتفِ ياسمين بـذلك؛ بل اندفعت إلى داخل الصالة مجدداً، وأمسكت بـقدم الشاب الآخر المغشي عليه، وسحلته بـقسوة عبر البلاط لتلقي به في الشارع بجانب صديقه المهان.
انحنت فوقه بـذات السكين، وخطت على جبهته توقيعها الدامي الخاص، واصمةً إياه بـعار لا يمحوه الزمن.
وقفت ياسمين وسط البرك الدامية للشابين، وصرخت بـصرختها الأخيرة نحو الجدران الصامتة والخائفة للحي:
“تعالوا لموا زبالتكم يا حارة خولات ما فيهاش رجالة!”
استدارت ياسمين ودخلت الشقة، وتبعتها سارة التي كانت تحكم قبضتها الدافئة على يد أحلام المذعورة، متمسكة بـرماد عينيها المغسول بـالدموع.
دخلت الفتيات الثلاث، ودُفع الباب الثقيل بـحسم، وأُغلق المزلاج الحديدي، ليعود الصمت المشحون بـأنفاس الرغبة والحماية داخل الوكر الأرضي.