ملاذ الغضب والدثار الأبيض

File 00000000fcfc720ab6c40bf1c571bb81 683x1024

ملاذ الغضب والدثار الأبيض

خطت ياسمين عتبة الغرفة الداخلية بخطوات زلزالية كادت أن تحطم لوح البلاط البارد تحت عظام حذائها الثقيل.

 لم يكن الغضب الذي يعتمل في صدرها مجرد انفعال عابر، بل كان فوراناً وحشياً للدماء وسُعاراً كاد يلتهم أنفاسها.

جلست على حافة الفراش الخشبي المتهالك بعنف جعل مفاصله تئن وتصدر صريراً حاداً، بينما كان جسدها المفتول العريض يهتز ارتعاشاً من فرط الاحتقان المتصاعد.

كانت عيناها المتجمرتان تشعان ببريق قاصف، كجمار تحت الرماد استيقظت لتوها لتلتهم كل ما يقع في مداها، ونظراتها مسمرة على الجدران الرطبة التي شهدت محاولة تدنيس ما اعتبرته ملكاً خاصاً بها وبسارة.

​دَلفت سارة خلفها بخطى وئيدة، حذرة، ومغروسة ببرود جليدي لم يتزحزح رغم بشاعة ما جرى خارج العتبة.

كانت تحكم قبضتها على معصم أحلام التي كانت تتقدم بخطوات متعثرة، واهنة، وجسدها الرقيق يبدو ضئيلاً وضائعاً تحت ذلك الدثار القطني الأبيض الذي لفّت به سارة عريها وستر تضاريسها المرتجفة.

كان الخوف لا يزال يشل أطراف الفتاة، وعيناها الرماديتان الواسعتان تفيضان بدموع ساخنة مسحت كل معالم الهدوء عن وجهها المستدير الناعم.

​بمجرد أن عبرت أحلام وسارة اللوح الخشبي للباب، واستقرت أقدامهما في حيز الغرفة المظلمة، لم تطق ياسمين صبراً على حبس الطاقة المتفجرة في حنجرتها.

 التفتت بجسدها الضخم نحو الفتاة الباكية، وصبت جام غيظها المكتوم في صرخة مدوية اخترقت الصمت الرطب وشقت سكون المكان، صائحة في وجه أحلام بحدة قاسية:

“إحنا مش قلنالك اقفلي الباب ورانا بالترباس كويس؟! مش نبهنا عليكي مليون مرة ما تستهتريش بحاجة زي دي في حارة الكلاب والخيانات دي؟! إزاي تسيبي العتبة مستباحة لأي نذل يدخل يمد إيده عليكي؟!”

 

​انكمش جسد أحلام النحيل تحت الملاءة البيضاء كطائر أصابته رصاصة صياد طائشة، وتراجعت خطوة إلى الخلف مبهورة من شدة الصرخة التي هزت أركان الغرفة.

 تضاعفت وتيرة بكائها، وراحت ششفتها الوردية الممتلئة ترتجف بلوعة وعجز، بينما انطلقت الكلمات من جوفها متلعثمة، مخنوقة، تقطعها الشهقات المريرة الكفيلة بتمزيق القلوب.

 كانت دموعها الغزيرة الساخنة تنهمر بلا انقطاع، تبلل خديها الناعمين الحليبيين وتتساقط فوق حافة الغطاء الصوفي.

​قالت أحلام بصوت مبحوح يقطر انكساراً وحياءً :

“أنا.. أنا آسفة يا ياسمين.. أنا ولله العظيم ما كانش قصدي أهمل كلامكم.. بس أنا أول ما قفلت الباب و خرجتم، سرحت شوية.. قعدت أفكر في بابا وفي المصير اللي مستنينا، وفي الوحدة والكسرة اللي بقيت عايشة فيها بعد موت أمي.. الذكريات خنقتني والدموع عمت عيني، ونسيت أتربس الباب من كتر الهم.. نسيت خالص ولله العظيم!”

​لم تحتمل أحلام نظرات ياسمين الحارقة ولا ثقل اللحظة؛ فأفلتت يدها فجأة من بين أصابع سارة الدافئة، واندفعت بعفوية طفولية مطلقة وبكاء مسترسل لترتمي بكامل ثقلها ونعومتها وعريها المستتر بين أحضان ياسمين الجالسة على السرير.

 طوقت ذراعي ياسمين العريضتين، وألقت برأسها الكستنائي المثقل بالرعب فوق صدرها المحمي بالسترة الجلدية الخشنة، مكملةً نحيبها بنبرة تفيض بالذهول الصادم من قذارة البشر:

“أنا ما كنتش متخيلة إن في بني آدمين في الدنيا دي كلها بالندالة والحقارة دي يا ياسمين.. كانوا عايزين يغتصبوني.. لولا وجودكم أنا كنت انتهيت!”

 

​حين ارتطم ذلك الجسد الرخامي الصافي بصدر ياسمين العريض، وحين غاصت أحلام في ثنايا ذلك الحضن مستسلمة تماماً، حدث تحول مباغت وسحري في كيمياء تلك الفتاة الشرسة القادمة من قاع الإجرام.

 كأن النيران التي كانت تحرق أحشاء ياسمين قد انطفأت فجأة لتحل محلها رغبة عارمة في الاحتواء والحماية اللطيفة.

تلاشت سحابة الغضب عن وجه ياسمين، وانقشع الصقيع الذي لف ملامحها الحادة أمام هذه النعومة الفطرية التي تذوب بين يديها الخشنتين المليئتين بالندوب القديمة.

​شعرت ياسمين بأنفاس أحلام الحارة، المتهدجة والمتسارعة، وهي تصطدم بعنقها، وشعرت بهزة صدرها الناهد وصعود وهبوط أنفاسها تحت الدثار الأبيض وهي تبكي بمرارة.

تحركت غريزة الامتلاك في نفس ياسمين لتتحول إلى رعاية مشحونة بالشغف الدفين.

امتدت يد ياسمين القوية، ذات الأصابع الخشنة التي حفرت الجروح على جبهة الكلاب في الشارع قبل دقائق، وبدأت تمسح برفق ونعومة فائقة على خصلات شعر أحلام الكستنائي الطويل الحريري، ممررة أصابعها بين التموجات الدافئة لتطرد عنها بقايا الذعر والارتجاف.

​خفضت ياسمين نبرة صوتها الخشن لتصبح دافئة، مخملية، وتأخذ إيقاعاً ناعماً يفيض بالحنان المستجد، وقالت:

“مش مشكلة يا حبيبتي.. اهدي خلاص ومتبكيش، مفيش مشكلة واصلي.. أنا ما قصدتش أزعقلك ولا أخوفك مني.. أنا بس دمي فار لما شفت الأندال دول جوه أوضتك. المهم إننا رجعنا في الوقت المناسب ولحقناكي في آخر لحظة.. وطول ما ياسمين وسارة عايشين على وش الأرض، مفيش كلب ولا خول في الحارة دي كلها هيقدر يمس شعرة واحدة منك تاني.. .”

​استمرت أحلام في نحيبها، لكن شهقاتها المستعرة بدأت تهدأ وتيرتها تدريجياً، مستسلمةً لدفء ياسمين الطاغي الذي عزلها بوعي كامل عن شناعة الواقع وقسوة العالم الخارجي.

​في هذه الأثناء، لم تتدخل سارة في هذا العناق الحميم، ولم تغير ملامح وجهها الشاحب؛ بل ظلت واقفة كـشبح يراقب المشهد .

 .

​تحركت سارة بـآلية متزنة ورشيقة داخل أرجاء الشقة الأرضية؛ توجهت أولاً إلى الصالة الخارجية المظلمة، حيث كانت حقائب الذهب والمجوهرات الثقيلة ملقاة على الأرض بعد أن رمتها ياسمين باستهتار.

انحنت سارة، ورفعت تلك الحقائب المحشوة بالعسجد والفضة والقلائد الثمينة، وتفحصت سحاباتها للتأكد من عدم سقوط أي قطعة وسط الفوضى.

 قادتها خطوتها إلى زاوية سرية ومخفية بعناية داخل تجاويف اللدولاب الخشبي القديم، ودست الغنائم هناك بعيداً عن أي عين قد تفتش البيت مستقبلاً، مؤمنةً ثروة العمر التي ستحول أحلامهما إلى قصور منيعة.

​بعد تأمين الذهب، عادت سارة إلى الغرفة الداخلية بخطوات صامتة لا تكاد تُسمع.

 انحنت فوق الأرض الباردة، وبدأت تجمع أشلاء الثوب الزهري الممزق؛ ذلك القماش القطني الفاخر الذي لم يهنأ بنظافته سوى ساعات قليلة قبل أن تمزقه أصابع الذئاب الخسيسة.

التقطت قطع القماش المتناثرة، وجمعت بقايا السلك الكهربائي الغليظ الذي كان يطوق معصمي أحلام، ونظفت الأرضية تماماً من آثار الأقدام الطينية والاضطراب البربري الذي روع طمأنينة المحراب. كان كل تحرك من سارة يهدف إلى إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، ومحو أي دليل على المعركة الدامية التي جرت خارج الباب.

​ما إن فرغت سارة من إرساء النظام التام وإعادة الطمأنينة البصرية إلى أرجاء الغرفة، حتى التفتت بكامل جسدها نحو السرير الخشبي.

 كان الصمت الأثيري الساكن قد خيم على الأجواء، وتلاشت أصوات النحيب والشهقات تماماً، ليحل محلها سكون ثقيل ودافئ لفّ المكان بالكامل تحت الضوء الأصفر الخافت للمصباح الصغير.

​كانت أحلام قد استسلمت أخيراً لـنوم عميق، ثقيل ومفاجئ، ناتج عن فرط الإعياء النفسي والجسدي والإجهاد العصبي الحاد الذي مرت به طوال هذه الليلة العاصفة.

استقرت برأسها الكستنائي الناعم وسط أحضان ياسمين، واضعةً وجهها المستدير في ثنايا عنق ياسمين الدافئ، بينما كانت أنفاسها المنتظمة الوديعة تصعد وتنزل برقة متناهية، كأنها طفلة عثرت على والدتها بعد ضياع طويل في شعاب الغابة.

​أما ياسمين، فقد ظلت جالسة في مكانها دون أن تتحرك حركة واحدة خشية أن تقلق سبات العصفورة النائمة بين يديها.

 كانت تطوق جسد أحلام النحيل بذراعها القوية المفتولة، وتتأمل تفاصيل وجهها المسترخي بشغف صامت، وولع أعمى، وشبق مكتوم بدأ يتغذى على هذه البراءة المستسلمة.

 .

​خطت سارة نحو السرير بخفة، وجلست على الجانب الآخر بجانب قدمي أحلام الكاشفتين عن بياض رخامي ناصع ترتسم فوقه العروق الزرقاء الرقيقة كخطوط الأثير.