مائدة الرغبة والرخام الصافي

File 00000000fcfc720ab6c40bf1c571bb81 683x1024

مائدة الرغبة والرخام الصافي

ما إن انغلق الباب الخشبي المتهالك للحمام خلف جسد أحلام، حتى تبدل الهواء في الشقة الأرضية فجأة.

 انقشعت تلك الهالة الطفولية الهشة التي كانت تملأ المكان بحضورها، وحلّ مكانها ذلك الثقل المعهود المليء بالتوتر الذي يرافق حضور سارة وياسمين أينما حلّتا.

 تحركت الفتاتان في المساحة الضيقة بـأريحية تامة؛ وبدا انسجامهما الصامت وتفاهمهما الفطري كأنهما في منزلهما الخاص الذي امتلكتاه منذ سنوات طويلة، وليس في شقة أرضية رطبة دخلوها قبل دقائق معدودة.

​بدأت سارة في ترتيب الصالة بعقلها البارد والمنظم؛ أزاحت المقاعد الخشبية المكسورة جانباً، ومسحت الطاولة بقطعة قماش قطنية نظيفة، بينما تولت ياسمين تفريغ الأكياس الكبيرة التي أحضرتاها من السوق.

 كانت ياسمين تتحرك بخفة ورشاقة تتناسب مع لياقة جسدها المفتول وسترتها الجلدية الخشنة؛ فتحت الصنبور وبدأت تغسل الخضار الطازج، والماء البارد يتطاير على يديها النحيلتين المليئتين بالندوب القديمة الناتجة عن معارك الحارة.

كان مشهد النعمة والخير واللحوم الحمراء الطازجة يبعث في نفسيهما تلك السعادة الغريبة والنبيلة التي تذوقتاها لأول مرة، لكن النيران الدفينة في عروقهما لم تخمد، بل كانت تتغذى على طاقة الانتظار والترقب لما هو قادم من خلف الباب المغلق.

​وضعت ياسمين سكيناً حاداً على الطاولة، ثم التفتت ببطء نحو سارة التي كانت ترص الأطباق الزجاجية ببرود وهدوء.

خطت ياسمين خطوات وئيدة، حريصة على ألا تصدر عظام حذائها العسكري القديم أي صوت على البلاط البارد، حتى أصبحت ملاصقة لظهر سارة تماماً.

 انحنت قليلاً حتى لامست أنفاسها الساخنة والمثارة شحمة أذن سارة، وهمست بصوت منخفض، متهدج، ومحمل بـفضول شرس وعنيف يعكس كل ما دار في عقلها طوال أيام المراقبة:

“سارة.. البنت دي.. تفتكري إنها لسه بنت بنوت؟ تفتكري إن ما فيش راجل في الدنيا دي كلها لمس النظافة دي قبلنا؟”

​توقفت يد سارة في الهواء وهي تمسك بكوب زجاجي.

 لم تلتفت فوراً، بل تركت السؤال يتغلغل في خلايا عقلها الرياضي البارد.

 ضاقت عيناها الشاحبتان ببريق غامض وعميق، بريق يتداخل فيه منطق الجريمة والتجارة بـشهوة مستعرة بدأت تلتهم أحشاءها منذ أن احتضنت أحلام وشعرت بنعومة جسدها.

 التفتت سارة ببطء، وواجهت عيني ياسمين المتجمرتين بنظرة ثاقبة، ولم تكن بحاجة إلى إجابة فورية، فالسؤال نفسه كان كافياً لفتح أبواب الخيال لطقوس من الشغف والامتلاك الجسدي المشترك التي تنويان ممارستها معاً فوق هذا الجسد الغض .

وقبل أن تتحرك شفتا سارة لتنطقا بالكلمات، انقطع حبل الصمت الثقيل بينهما بصوت طقطقة مقبض الباب الخشبي للحمام.

 

​انفتح الباب ببطء شديد، وكأن عقارب الزمان قد تباطأت فجأة لتستعد الغرفة لاستقبال حدث جلل سيغير مصير الثلاثة.

خرجت أحلام ببطء، مترددة، تضع يداً فوق الأخرى بـحرج واضح، وعيناها الرماديتين الواسعتان مطأطأتان نحو الأرض الخشنة.

​تصلبت سارة وياسمين في مكانيهما كتمثالين من حجر، وتحولت نظراتهما إلى عدسات مبهورة تعجز عن استيعاب حجم الفتنة التي انشق عنها الظلام.

 كانت أحلام ترتدي الثوب الزهري الجديد؛ ذلك الثوب القطني الخفيف الذي انتقته سارة بعناية فائقة من المحل الراقي على أطراف العاصمة، لكن سارة بكل خبرتها القديمة في وزن البشر وتفحص الأجساد في الملاهي الليلية وحانات القاع لم تتخيل أبداً أن يظهر هذا الثوب على جسد أحلام بـهذا الجمال الصادم وتلك الأنوثة الفطرية القاتلة التي سلبت عقليهما في ثانية واحدة.

​كان الثوب مصمماً بدقة ليكون أداة لإبراز الفتنة النادرة؛ مصنوعاً من قماش قطني ناعم يلتصق بـخفة فوق التضاريس الغضة لجسدها، ويصل طوله إلى ما فوق الركبة ببضعة سنتيمترات، كاشفاً عن ساقين ممتلئتين بـرقة بياضهما يشع كالنور وسط عتمة ورطوبة الشقة الأرضية المتهالكة.

 كانت فتحة الصدر واسعة وجريئة على شكل حرف (V)، تبرز بوضوح مذهل بداية استدارة نهديها الناهدين الثائرين الذين يرتفعان وينخفضان بعنف مع أنفاسها الخجولة المذعورة، وكاشفاً عن عظام ترقوتها الدقيقة والبارزة بجمال يشبه منحوتة مرمرية نادرة لم تلمسها يد بشر من قبل.

أما الأكمام، فقد كانت قصيرة جداً، تترك ذراعيها البيضاويتين الناعمتين مكشوفتين بالكامل، بينما انسدل شعرها الكستنائي الطويل المبلول و الكثيف على كتفيها عاكساً تموجات دافئة زادت من شدة بياض بشرتها الحليبية الصافية.

​فتحت ياسمين فمها بدهشة واضحة، وغابت عن عينيها الحادتين كل معالم القسوة الإجرامية والشراسة التي أرعبت رجال الحي، لتبلغ ذروة الولع الأعمى والشبق المكتوم.

تحركت ياسمين نحو أحلام بخطوات غير متزنة، كمن يسير تحت تأثير مخدر كيميائي قوي من الذي تخلطه سارة، حتى وقفت على بعد خطوة واحدة منها.

تطلعت ياسمين إلى تفاصيل وجهها المستدير الناعم، وتأملت شفتيها الوردية الممتلئة المرتعشة بـخجل، وقالت بصوت بحّ وخفت من شدة الإثارة والإعجاب الطاغي:

“أحلام.. إنتي تحفة.. إنتي مش بني آدمة زينا خالص.

 أنا ما كنتش متخيلة إن في جمال في الدنيا ممكن يوصل للدرجة دي! إنتي جيتي منين بالظبط؟”

​احمرت وجنتا أحلام بـحمرة قانية ومثيرة، وخفضت رأسها أكثر، وهي تشد طرف ثوبها القصير إلى الأسفل بـحرج طفولي ناعم زاد من تفجر أنوثتها وفتنتها في عيونهما.

التفتت ياسمين برأسها نحو سارة، وصاحت بنبرة مشدوهة مستنجدة وكأنها عاجزة عن تحمل هذا الجمال بمفردها:

“سارة.. إنتي شايفه اللي أنا شايفاه؟ إنتي مصدقة إن البنت دي قاعدة معانا في الحارة هنا وفي الشقة دي؟ أنا حاسة إني بحلم يا سارة!”

​ابتسمت سارة ابتسامة هادئة، غامضة، والتمعت عيناها الشاحبتان بـرغبة السيطرة والاحتواء اللطيف الذي يخفي وراءه نيّة الامتلاك الكامل. تقدمت سارة بخطوات متزنة ورشيقة، ووضعت يدها الباردة النحيلة على كتف ياسمين الجلدي الخشن لتكبح اندفاعها وحركتها الوحشية، ثم نظرت إلى أحلام بـنظرة حانية دافئة، وقالت بنبرة ناعمة كالحرير:

“بالراحة على البنوتة يا ياسمين.. مش شايفه وشها بقى أحمر إزاي من الكسوف؟ إنتي هتخوفيها منك بغشمك ده وطريقتك دي.

البنت مش متعودة على كلامنا.”

​التفتت سارة بالكامل إلى أحلام، ومدت أصابعها الطويلة لتداعب خصلة متموجة من شعرها الحريري الكستنائي وتضعها وراء أذنها برفق شديد، وتابعت بصوت يقطر عذوبة وشغفاً مكتوماً: “الفستان معمول عشانك مخصوص يا أحلام.. طالعة زي الملاك اللي نور مكان ضلمة.”

​ابتسمت أحلام ابتسامة رقيقة، خجولة، وحاولت إخفاء تفاصيل جسدها الفاتن وراء حركاتها الخجولة وهي تشبك يديها وتقول بصوت منخفض ناعم: “شكراً ليكم بجد.. الفستان ناعم أوي وشكله غالي.. بس أنا أصل مش متعودة ألبس قصير كده قدام حد، حاسة إني مكسوفة أوي.”

​قالت سارة وهي تقودها من يدها الدافئة نحو المائدة: “مفيش كسوف بيننا من النهاردة يا حبيبتي.. إحنا بقينا سرك وأهلك وأمانك. يلا عشان تاكلي وتغذي جسمك ده.”

 

​جلست الفتيات الثلاث حول مائدة العشاء البسيطة التي تحولت بفضل أموال سارة وياسمين إلى مأدبة ملوكية وسط هذا الفقر.

كانت الأطباق تتكدس بـشتى أنواع اللحوم الحمراء المطهوة بعناية، والخضروات الطازجة، والفواكه الملونة التي تفوح رائحتها الذكية لتطرد رائحة الرطوبة والعفن العالقة بجدران الشقة الأرضية.

​بمجرد أن استقرت أحلام على مقعدها الخشبي، وبسبب الجوع الشديد والحرمان الذي عاشته في الأيام الأخيرة تحت وطأة إدمان والدها للقمار واختفاء الأموال من البيت، بدأت تأكل بـنهم شديد وجوع حقيقي بدا واضحاً في حركتها العفوية.

 لم تكن تتصنع أو تحاول إخفاء جوعها؛ كانت تقضم قطع اللحم وتمضغ الطعام بشهية كبيرة وكأنها لم تذوق طعاماً حقيقياً منذ عدة أيام.

 كانت ممتنة لكل لقمة تدخل جوفها، وصدرها يرتفع وينخفض بـارتياح وسعادة طفولية لأنها عثرت أخيراً على من يقدم لها الرعاية والأمان بعد طول انكسار.

​أما سارة وياسمين، فلم تكن الأطباق الممتلئة أمامهما سوى ديكور ثانوياً لا قيمة له؛ لم تمتد أيديهما إلى الطعام إلا لإخفاء توترهما وشبقهما المتصاعد.

كان الجوع الحقيقي الذي ينهش أحشاء الفتاتين في تلك اللحظة .

جوعاً من نوع آخر تماماً، جوعاً لا تشبعه اللحوم بل يغذيه هذا النقاء الأنثوي المفرط الجالس أمامهما.

 كانت عيونهما تتحركان كـذئاب برية تراقب فريسة مقدسة داخل محراب، ولم تتوقفا ثانية واحدة عن استراق النظر والتركيز الكامل على الجزء السفلي من جسد أحلام الجالسة بينهما.

​بسبب طبيعة جلوس أحلام على المقعد الخشبي المنخفض قليلاً، ارتفع طرف الثوب الزهري الخفيف أكثر إلى الأعلى تلقائياً، ليكشف عن فخذيها الأبيضين الناعمين كالرخام الخالص المصقول.

كان بياض فخذيها مفرطاً، صافياً بـنقاء بكر وصادم لم تلوحه شمس الحارة ولم تعرف خشونة الأيام؛ وبسبب شدة صفاء بشرتها ورقّتها، كانت العروق الزرقاء والدقيقة والنحيلة تظهر بوضوح من تحت الجلد كـخطوط مائية سحرية ترسم خريطة من الأنوثة والفتنة العذراء التي لم تلمسها يد من قبل.

​كانت ياسمين تتنفس بصعوبة ملحوظة، وعيناها المتجمرتان مثبتتان بـتركيز حيواني شهواني على ذلك المنحدر الرخامي الناعم لفخذي أحلام.

كان لعابها يكاد يسيل وهي تتخيل يدها الخشنة القوية وهي تمتد ببطء تحت طرف ذلك الثوب الزهري، لتحسس تلك النعومة المفرطة وتغرس أصابعها المفتولة في ذلك اللحم الأبيض الطري لتترك علامات قسوتها وشغفها العنيف.

كانت ياسمين تشعر باضطراب في أنفاسها، وتمنت لو تنتهي هذه المائدة فوراً لتأخذ هذا الملاك الفاتن بين ذراعيها وتبدأ طقوس السيطرة التي تعشق ممارستها في الفراش، لتجعل أحلام تصرخ تحت وطأة قوتها العنيفة.

​بينما كانت سارة، ببرودها القاتل وعقلها الرياضي، تراقب بـتفحص دقيق تفاصيل حركة فخذي أحلام وتناقضها المثير مع براءتها وعفويتها وهي تأكل بنهم.

 كانت سارة تدرك، بـنظرة عين واحدة، أن هذا الصفاء المرمرى الخالي من العيوب هو المادة الخام النادرة التي طالما بحثت عنها؛ المادة التي ستقوم بعجنها وتشكيلها مع ياسمين في خلوتهما .

كان عقل سارة ينسج خطة شبقية ناعمة، تخيلت فيها كيف ستحتضن هذه الأنوثة الطاغية، وتذوب في هذا البياض الناعم لتستمد منه طاقة النقاء التي حرمت منها طوال طفولتها المشردة.

​وسط هذا الصمت المشحون بالأنفاس الثقيلة ونظرات الشهوة المستعرة التي كانت تكاد تحرق أطراف الثوب الزهري، وضعت سارة كوب الماء ببطء شديد على الطاولة الخشبية، محدثة صوتاً خفيفاً جذب انتباه أحلام.

نظرت سارة مباشرة إلى عيني أحلام الرماديتين الواسعتين اللامعتين، وكسرت الصمت بنبرة خفيضة، هادئة، وصوت يقطر اهتماماً مباغتاً يهدف إلى نبش أسرار الماضي وهتك حجب براءتها، وسألتها مباشرة:

“أحلام.. قوليلي بصراحة.. إنتي ما عندكيش حبيب؟ ما فيش أي شاب لمس قلبك أو عاش معاكي قصة حب قبل ما تيجي الحارة هنا؟”

​توقفت أحلام عن المضغ فجأة، واتسعت عيناها بـدهشة طفولية ووجل، وارتفعت حمرة الخجل لتغطي وجنتيها وعنقها الأبيض بالكامل، وهي تنظر إلى سارة وياسمين اللتين كانتا تنتظران الإجابة بـأنفاس محترقة ونظرات تكاد تخترق جسدها.