اعتراف الرماد

File 00000000fcfc720ab6c40bf1c571bb81 683x1024

اعتراف الرماد

تنفس الصمت في أرجاء الشقة مجدداً، لكنه هذه المرة كان صمتاً لافحاً، صقيعياً، جمّد الدماء في عروق سارة وياسمين. تلاشت حركات المضغ العفوية،

​امتصت أحلام غصتها، وقالت بصوت مبحوح، يرتجف بـلوعة دفينة وكسرة هزت أركان الغرفة:

“أيوه.. حبيت.. واتجوزت.”

​كأن صاعقة قد ضربت الطاولة الخشبية المتهالكة. تلاقت عيون سارة وياسمين في جزء من الثانية؛ نظرة مباغتة، مشدوهة، ومملوءة بـذهول مطلق صدم كبريائهما وشبقهما المكتوم.

وفي لحظة واحدة، انطلقت الكلمة من شفتيهما باندفاع متزامن كطلقة رصاص صامتة:

“اتجوزتي؟!”

​كانت ياسمين هي الأكثر اضطراباً؛ شعر عقلها الشرس بلسعة غيرة وحشية، وكأن شخصاً غريباً قد تجرأ ووضع يده على هذا البلور الخالص قبلها.

لم تنتظر حتى لتلتقط أحلام أنفاسها، بل استرسلت مباشرة بـنبرة حادة، مبحوحة، وفيها تفتيش محموم عن إجابة تطفئ النيران التي اشتعلت في صدرها:

“أمال جوزك فين؟ راح فين وسابك في القذارة دي لوحدك؟”

​مسحت أحلام دمعة سقطت على ثوبها الزهري الجديد، فوق ذلك القماش الذي برز من تحته اهتزاز صدرها المستعر بالحزن.

 صمتت قليلاً، وكأنها تستجمع أشلاء ذكرى ممزقة، ثم أجابت وعيناها مثبتتان على الطاولة:

“بعد ما كتبنا الكتاب بسنة وسبع تشهر.. اتوفى بحادثة عربية.. كان.. كان فاضل على فرحنا أسبوعين بالظبط.”

​انخفضت نبرة ياسمين قليلاً، وتنفست بجهد وكأن حملاً ثقيلاً قد أزيح عن صدرها؛ الجسد لا يزال بكرًا من الناحية الفعلية، لكن السؤال الأكبر كان يدور في عقل سارة .

​نظرت سارة إلى أحلام، وتأملت شفتيها الوردية المرتعشتين، ثم سألت بـاستغراب واضح ونبرة ناعمة لكنها حذرة، تبحث في تفاصيل تلك الفترة الطويلة:

“أكتر من سنة ونص كاتبين كتابكم وما دخلش عليكي؟ ليه كدة يا أحلام؟ إيه اللي يعطل اتنين بيحبوا بعض كل الوقت ده في وسط الظروف دي؟”

 

​ساد صمت لافح في أرجاء الشقة الأرضية الرطبة، صمت جمّد الدماء في عروق سارة وياسمين بعد تلك الصدمة المباغتة.

 

رفعت رأسها ببطء شديد، وفي تلك الثواني المعدودة التي بدت كأنها دهر، بدت الدموع وهي تتجمع كحبيبات الكريستال السائل في مآقي عينيها الرماديتين الواسعتين. كان اللون الرمادي لعينيها يمنح حزنها عمقاً غامضاً، وكأنه ضباب شتوي يلف بحيرة ساكنة، قبل أن تنزلق تلك القطرات  مبللةً وجنتيها المرمريتين الفاتنتين، لتسقط على قماش ثوبها الزهري الجديد الذي برز من تحته اهتزاز صدرها المستعر باللوعة.

​امتصت أحلام غصتها المخنوقة، وحاولت استجماع شتات صوتها المتهدج، فقالت بنبرة مبحوحة ترتجف بـكسرة هزت أركان الغرفة:

“بصراحة.. هو كان وضعه المادي صعب شوية.. كان شاب على قد حاله وبيحاول يبني مستقبله من الصفر. وعشان كده، كان كل شوية بيأجل الفرح لغاية ما يقدر يلم قرشين يسندوا بيتنا ويجهزوا العش الصغير اللي كان حلمنا نعيش فيه.. سنة وسبع شهور وهو بيعافر مع الدنيا، وأنا كنت صابرة معاه ومستحملة عشان بحبه.”

​كانت ياسمين تجلس ساندة ظهرها العريض إلى الكرسي، لكن مع سماع تفاصيل تلك الفترة، شعرت بـلسعة غيرة وحشية ومريضة تنهش أحشاءها.

فكرة أن رجلاً آخرحتى لو كان زوجاً شرعياً مات وانتهى قد قضى كل ذلك الوقت قريباً من هذا الملاك، أشعلت النيران في صدرها.

 لم تعد ياسمين تحتمل رؤية هذا الجسد المرمري الفاتن، بساقيه البيضاويتين وعنقه الطويل، دون أن تنبش في تفاصيل تلك العلاقة.

​التفتت ياسمين التفاتة عنيفة نحو احلام، واقتربت بجسدها المفتول منها، ونظرت مباشرة في عمق عينيها الرماديتين بنظرة حادة، متجمرة، وممتلئة بـاستغراب ورغبة عارمة في معرفة الحقيقة.

قالت ياسمين بصوت بحّ وخشُن من شدة الإثارة والتوتر:

“بس يعني.. نفسي افهم؟ واحدة فيها كل الجمال ده، وكل النعومة والأنوثة  دي.. إزاي جوزها يقدر يصبر كل الفترة دي من غير ما ينام معاها؟ دا أنا لو مكانه.. أنا لو مكان الراجل ده ومعايا الفتنة دي كلها وكاتب كتابي عليها، مستحيل أصبر أسبوع واحد.. مش سنة ونص! إزاي كان بيشوفك بالمنظر ده ويمشي ويسيبك؟”

​كانت كلمات ياسمين تخرج بـاندفاع وغشومية واضحة، تعكس رغبتها الحيوانية في الامتلاك، وكأنها تستجوب طريدة سقطت في وكرها.

أما سارة، فقد ظلت جالسة ببرودها المعهود ، لكن عينيها الشاحبتين كانتا تلاحقان ارتعاشة شفتي أحلام، وتنتظران الكلمة المفتاحية التي ستغير قواعد اللعبة بالكامل في هذه الليلة.

​نزلت كلمات ياسمين على أحلام كـسوط أيقظ تفاصيل ليلة غامضة من الماضي.

تضاعفت حمرة الخجل والوجل على وجنتيها وعنقها الأبيض، واهتز صدرها الناهد تحت فتحة الثوب الزهري الواسعة بـأنفاس متسارعة تكشف عن اضطراب داخلي عنيف.

​طأطأت أحلام رأسها أكثر نحو الأرض، وشبكت أصابعها النحيلة ببعضها البعض لدرجة أن عظام يدها ابيضّت من شدة الضغط، ثم أنزلت قنبلتها الموقوتة بـصوت خافت جداً، صوت ناعم ومخملي امتزج بـحياء طاغٍ، وقالت:

“لا.. هو بصراحة.. ما صبرش.”

​توقف الزمن تماماً في الشقة الأرضية.

تلاقت عيون سارة وياسمين في نظرة صاعقة؛ الكلمة حسمت كل شيء.

 أحلام ليست عذراء.. هذا الجسد الخالص قد عُرِف من قبل، وهناك أصابع أخرى قد تلمست هذا الرخام الصافي، وشفايف أخرى قد نهلت من هذه الأنوثة الطاغية قبل أن تصبح ملكاً لـمخالب العتمة.

​شحب وجه ياسمين للحظة، ثم تدفقت الدماء في عروقها بـجنون؛ تحول إعجابها بأحلام إلى تحدٍ وحشي، ورغبة مستعرة في محو أثر ذلك الرجل الراحل من خلايا جسد أحلام.

بينما سارة، بدأت عيناها تلمعان ببريق الشهوة والاستحواذ البارد؛ فالأمر لم يعد مجرد تدنيس لنقاء بكر، بل أصبح معركة نفسية وجسدية عنيفة لانتزاع طيف الماضي، واحتلال هذا الجسد المستباح

 

 

​همّت الفتيات الثلاثة بجمع الأطباق المتناثرة على الطاولة الخشبية بعد أن شبعت أحلام، وتلاشت خطوط العشاء؛ لكن أحلام بحيائها الفطري ورغبتها في إظهار الامتنان والتبعية الطائعة لمنقذتيها أمسكت بـيد سارة برفق، وأصرّت بـلهجة ناعمة ومصممة على أن تقوم هي بـمفردها بـغسل الأطباق وتنظيف المطبخ، رافضةً تماماً أن تمد أي منهما يدها إلى الماء والتراب.

​انسحبت سارة وياسمين إلى الغرفة الضيقة، وجلستا متجاورتين على مقعد خشبي عريض يقع في الغرفة المقابلة تماماً لـباب المطبخ المفتوح.

من هذا الموقع الاستراتيجي، استسلمت الفتاتان لـطقس المراقبة الطاغية؛ كانت عيونهما مثبتتين على أحلام التي كانت تدير ظهرها لهما، وتتحرك بـرقة ورشاقة أمام حوض الغسيل.

​بسبب انحنائها الطفيف لـ الأمام فوق الحوض، انشدّ قماش الثوب الزهري الجديد والـقصير على ردفيها الممتلئين بـفتنة أنثوية قاتلة، مرتفعاً بضعة سنتيمترات أخرى ليكشف عن كامل استدارة فخذيها الأبيضين اللذين يشعان رخاماً وصفاءً تحت الضوء الأصفر. كان تموج شعرها الكستنائي الطويل يتحرك مع حركة ذراعيها البيضاويتين وهي تنظف الزجاج، وتتأرجح تضاريس جسدها بـاهتزاز أنثوي فطري أشعل النيران في عروق ياسمين وسارة، وحوّل الغرفة إلى محراب من الشهوة والشبق المكتوم.

 

​التهبت أنفاس ياسمين وهي تتابع تفاصيل الجسد المرمرى المنحني أمامها، وعجزت عن كبح جماح وحشيتها وغريزة السيطرة التي تملكها في الفراش. اقتربت بـجسدها المفتول من أذن سارة، وهمست بصوت خفيض جداً، بحّ وارتعش من شدة الإثارة:

“سارة.. أنا مش قادرة أستنى.. أنا عايزة أغتصبها الليلة يا سارة.. عايزة انيكها .ادوبها . اخلي صراخها يوصل آخر الشارع.”

​ردت عليها سارة بـهدوء تام وبصوت منخفض أيضاً، وعيناها الشاحبتان تلاحقان حركة أحلام دون أن تطرفا، نبرتها الباردة كانت تخفي وراءها بركاناً من الرغبة:

“أيوه يا ياسمين.. هنظبطها في الليل وهندوق النعومة دي كلها.. بس في حاجة تانية هنعملها أنا وإنتي الأول قبل أي حاجة.”

​التفتت ياسمين إليها بحاجبين معقودين وسألت: “حاجة إيه دي اللي أهم من الليلة دي؟”

​التفتت سارة إليها، وقالت بـنبرة خافتة تحمل هندسة الجريمة الباردة: “عملية كبيرة.. عملية كنت بخطط لها وبتكتك لها بالورقة والقلم من مدة طويلة.. ولو نجحنا فيها يا ياسمين، مش بس هنشتري شقة نضيفة زي ما كنا بنحلم.. ده إحنا هينفع نشتري قصر لو عاوزين.. قصر يبعدنا عن الوساخة دي كلها للأبد.”

 

​فتحت ياسمين عينيها بـذهول مطلق وصدمة هزت كيانها، لكن ثقتها العمياء بـعقل سارة الرياضي جعلتها تتجاوز الصدمة بسرعة، وقالت بـحسم واندفاع غاضب من شك سارة:

“أكيد هننجح يا سارة.. مفيش حاجة اسمها ‘لو نجحنا’ في قاموسنا.. إحنا طول عمرنا بنشيل اللي بنعوزوه. بس يعني.. لو بقى معانا الفلوس الكتير دي كلها اللي إنتي بتقولي عليها.. وقصر وأملاك.. حنحتاج العصفورة دي في إيه بعدين؟”

​قالت ياسمين كلماتها وهي تشير بـعينيها المتجمرتين نحو المطبخ، حيث كانت أحلام لا تزال مديرة ظهرها، ومنهمكة بـبراءة وغفلة في غسل الأطباق، غير مدركة لـشباك المؤامرة والشهوة التي تُنسج حول جسدها.

​أجابتها سارة بـبرودها القاتل، وبريق غامض التمع في عينيها الشاحبتين:

“مش هنحتاجها بحاجة يا ياسمين.. مش هنحتاجها في حاجة غير إننا نستمتع فيها الليلة دي، نطفئ نارنا في جسمها الملبن ده.. وبكرة الصبح، أول ما الشمس تطلع، كل حي يروح في حاله.. ده لو العملية نجحت.”

​انتفضت ياسمين من مكانها بـتوتر وحماس عنيف، وقبضت على معصم سارة بقوة وقالت بـنبرة حادة وصارمة لا تقبل التراجع:

“ما تقوليش ‘لو’ تاني يا سارة.. العملية دي تنجح يعني تنجح.. وهنآخد فلوسها، بس الليلة.. الليلة العصفورة دي هتدفع تمن الحماية اللي قدمناهالها.”