مخالب في العتمة

File 00000000fcfc720ab6c40bf1c571bb81 683x1024

مخالب في العتمة

لم يكن الحي مجرد مجموعة من البيوت المتراصة، بل كان أشبه بوجبة مضغها الزمن وبصقها على أطراف العاصمة.

 هنا، حيث الأزقة تلتوي كأفاعٍ أسمنتية ضيقة، لا تصل الشمس إلى الأرض أبداً؛ فالبيوت المتهالكة المتطاولة تكاد تتلامس شرفاتها الخشبية البالية، صانعةً سقفاً من العشوائية يحجب السماء.

الرائحة هنا لها طبقات؛ تبدأ برائحة الرطوبة المزمنة المتغلغلة في الجدران المقشرة، وتمر بمياه الصرف الصحي التي تجري في قنوات مكشوفة على جانبي الطريق، وتنتهي برائحة الدخان الخانق المنبعث من الفحم المحترق في المقاهي الشعبية، ومادة الكليّ الكيميائية التي يشمها أطفال الشوارع في الأزقة المظلمة.

​في هذا المكان، الصمت خطيئة أو دليل على الموت.

 الأصوات تتداخل في ضوضاء مستمرة لا تهدأ حتى في الفجر: صراخ امرأة تتعرض للضرب خلف نافذة مغلقة، شتائم متبادلة بين بائعي الخضار، صوت ارتطام زجاجات المياه الغازية الفارغة، وضجيج قطار البضائع الذي يمر قريباً ويهز جدران البيوت وكأنها مصابة بحمى مزمنة. في هذه البيئة، لم تكن “سارة” و”ياسمين” مجرد ابنتين للحي؛ بل كانتا النبتة الشيطانية التي نمت وسط الشقوق، وتعلمتا أن القسوة ليست خياراً، بل هي الأوكسجين الوحيد المتاح للبقاء على قيد الحياة.

 

​الساعة تقترب من الثانية صباحاً.

في خرابة مهجورة كانت في الماضي مصنعاً للحديد وخطاً للسكة الحديدية، استقرت العتمة الدامسة إلا من ضوء برميل مشتعل بالقمامة والأخشاب القديمة.

كان “المعلم حامد”، وهو تاجر مخدرات محلي صغير ومحتال معروف بنذالته، يجلس على صندوق خشبي، محاطاً باثنين من صبيانه.

كان يظن أن جلوسه في منطقته يمنحه الأمان، حتى انشق الظلام فجأة عن جسد ممشوق، يتحرك بخطوات واسعة وثابتة لا تهتز.

​كانت ياسمين.

 ترتدي سترة جلدية سوداء قديمة، مشققة عند الكتفين، وبنطالاً جينزاً ممزقاً يظهر ندوباً قديمة على ركبتيها.

شعرها الأسود القصير كان مصففاً بشكل فوضوي، وعيناها الواسعتان المتجمرتان تلمعان تحت ضوء النار والنظر يتركز على حامد مباشرة.

لم تكن تمشي كفتاة تخاف الليل، بل كانت تمشي كصاحبة المكان.

​”أهلاً بالأسطى ياسمين.. إيه اللي رماكي على مرسانا في وقت زي ده؟” قالها حامد بابتسامة صفراء، محاولاً إخفاء توتره وهو يلمس مقبض سكين مخبأ في حزامه.

​لم تجب ياسمين بكلمات.

 تقدمت حتى أصبحت على بعد خطوتين منه. وبحركة سريعة كالبرق، ركلت البرميل المشتعل بقدمها الثقيلة المغطاة بحذاء عسكري قديم، لتتناثر الشظايا المشتعلة والرماد في وجوه رجاله. قبل أن يستوعب أحدهم ما يحدث، كانت يد ياسمين اليمنى المفتولة تلتف حول ياقة قميص حامد، وتجذبه بقوة هائلة لتسقط جبهتها الصلبة مباشرة على أنفه في ضربة “روسية” مدوية سمِع صدى انكسار عظام الأنف لها في أرجاء الخرابة.

​سقط حامد على الأرض يصرخ ويمسك وجهه الذي تفجر بالدماء.

حاول أحد صبيانه الهجوم عليها من الخلف مستلاً مطواة، لكن ياسمين كانت قد تنبأت بالحركة. التفتت بجسدها المرن، وتفادت الطعنة بيسر، ثم أمسكت بمعصمه ولوته بقوة حتى سُمع صوت طقطقة المفصل، وانتزعت السلاح منه، لتغرسه دون تردد في فخذه. صرخ الشاب وسقط يسبح في دمه.

​وقفت ياسمين فوق حامد، وضعت قدمها الثقيلة فوق صدره، تضغط بكل ثقلها لتمنعه من التنفس. أخرجت من جيب سترتها مطواة “قرن غزال” شهيرة، وفتحتها بصوت حديدي حاد (تكة.. تكة). وضعت نصلها البارد على وجنته المضجرة بالدماء، وقالت بنبرة خفيضة، مرعبة، خالية من أي انفعال:

“المرة الجاية.. لما سارة تقولك البضاعة تسلمها في وقتها والفلوس تنقص جنيه واحد، تقطع لسانك وتنفذ من سكات. المرة دي سيبتلك عيون تشوف بيها ومناخير تشم بيها ريحة موتك.. المرة الجاية هطفي النور كله يا حامد. الفلوس فين؟”

​أشار حامد بيد ترتعش إلى حقيبة جلدية سوداء ملقاة بجانب الصندوق الخشبي.

انحنت ياسمين، التقطت الحقيبة، وفتحتها لتتأكد من الرزم المالية بلمحة سريعة.

 بصقت على الأرض بجانبه، ثم التفتت وغادرت الخرابة بخطوات متمهلة، تاركة وراءها رجلين يئنان من الألم والدماء تسيل على التراب، دون أن يجرؤ أحد في الحي على اعتراض طريقها.

 

​عادت ياسمين إلى الحارة.

تجاوزت المقاهي التي بدأ روادها ينفضون. النظرات التي لاحقتها من قِبل بعض البلطجية الجالسين في الزوايا كانت مزيجاً من الرعب والاحترام؛ فالكل يعلم أن هذه الفتاة لا ترحم، وأنها مستعدة للموت أو القتل في أي لحظة.

​دلت رأسها ودخلت من باب منزلي قديم متهالك، وصعدت السلالم الأسمنتية الدائرية التي تفوح منها رائحة القطط الميتة والقمامة. كانت السلالم مظلمة تماماً، لكن ياسمين تحفظ كل درجة منها عن ظهر قلب.

صعدت حتى السطوح، حيث كانت الرياح الباردة تلطم وجهها العرق ومسحات الدم التي تلطخت بها وجنتها نتيجة الشجار.

​في نهاية السطوح، كان هناك باب خشبي متهالك، تخرج من أسفله خطوط ضوء أصفر ضئيل. لم تدق الباب، بل دفعته بقدمها بعنف لتدخل بجسدها المتعب وحقيبتها داخل الغرفة.

​الغرفة كانت تجسيداً لحياتهما.

 مساحتها ضيقة، جدرانها مطلية بلون أزرق مقشر بفعل الرطوبة، وبها سرير إسفنجي واحد موضوع على الأرض مباشرة، وطاولة خشبية صغيرة تتكدس عليها زجاجات كحول رخيصة، وسجائر، وعلب مكياج رخيصة مبعثرة.

 في الزاوية، كان هناك موقد غاز صغير (بابور) يغلي عليه إبريق شاي أسود ثقيل.

 

​على الأرضية الإسمنتية، كانت تجلس سارة. كانت على نقيض ياسمين تماماً في المظهر والحركة.

 ملامحها هادئة، جميلة بحدّة، بشرتها بيضاء شاحبة كمن لا ترى الشمس، وشعرها البني الطويل مربوط إلى الخلف بإهمال.

لم تفزع سارة عندما انفتح الباب بعنف، ولم تتحرك من مكانها.

كانت ترتدي عباءة منزلية قطنية سوداء، وأمامها صينية حديدية كبيرة.

​على الصينية، لم يكن هناك طعام.

 كان هناك ميزان إلكتروني صغير، وبضع أكياس بلاستيكية شفافة تحتوي على مسحوق أبيض، ومجموعة من الأقراص الدوائية المطحونة، وزجاجة من مادة كيميائية سائلة تستخدم لتخفيف المواد المخدرة ومضاعفة حجمها.

كانت سارة تمسك بملعقة صغيرة، تزن المسحوق بدقة متناهية، وتخلطه بالمواد الأخرى ببرود شديد وهندسة دقيقة.

بالنسبة لها، الجريمة ليست عضلات أو دماء؛ الجريمة هي معادلة رياضية وتجارة باردة.

​نظرت سارة إلى ياسمين بنظرة سريعة، تفحصت الخدش الذي ينزف على وجنتها، والياقة الممزقة لسترتها، ثم عادت لتنظر إلى الميزان وقالت بنبرة خفيضة، ناعمة لكنها كشفرة الحلاقة:

“تاني يا ياسمين؟ كام مرة قلتلك بلاش غشومية؟ الفلوس بتيجي بالدماغ.. مش بالدم. كان ممكن تاخدي الشنطة من غير ما تعملي المولد ده كله.”

​ألقت ياسمين الحقيبة السوداء على السرير، وجلست بتعب، مرجعة رأسها إلى الخلف ومسندة إياه على الجدار المقشر. أخرجت علبة سجائر، أشعلت واحدة، ونفثت دخانها الكثيف نحو السقف وهي تقول بصوت مبحوح:

“الناس دي ما بتجيش غير بالعين الحمرا يا سارة. لو ما كنتش علمت عليه وسط منطقته، كان بكرا استندل معانا وباعنا لأقرب أمين شرطة. حامد كان لازم يتكسر.. وأنا كسرته.”

​امتدت يد سارة الباردة، التقطت الحقيبة السوداء، فتحتها وبدأت تخرج رزم الأموال.

بدأت تعدّها بأصابعها النحيلة الطويلة بسرعة وحرفية، وعيناها تلمعان ببريق غريب.

لم تكن تهتم بأن هذه الأموال مغسولة بدماء ضحايا أو ناتجة عن تدمير عقول الشباب في الحي؛ المال بالنسبة لها هو القوة الوحيدة التي تحميها من العودة إلى الشارع، ومن ذكريات طفولتها المفككة عندما كان والدها يبيع أثاث المنزل ليشتري زجاجة خمر، ويتركها جائعة مع أم هربت لاحقاً مع رجل آخر.

​”الفلوس كاملة.. وزيادة ألف جنيه ‘تعويض’ عن قلة أدبه،” قالت سارة وهي تضع الأموال في صندوق حديدي صغير وتغلقه بقفل حديدي، ثم تضعه أسفل السرير.

​وقفت سارة، توجهت نحو موقد الغاز، صبت الشاي الأسود الثقيل في كوبين زجاجيين. أحضرت قطعت قماش نظيفة مبللة ببعض الكحول الطبي، واقتربت من ياسمين الجالسة على السرير. انحنت فوقها، وبدأت تمسح الدم عن وجنتها برفق شديد، .

​ياسمين لم تتحرك، أغمضت عينيها مستسلمة للمسات سارة الباردة.

 في هذه اللحظة بالذات، بدا التناقض واضحاً: هاتان الفتاتان اللتان تثيران الرعب في قلوب رجال الحي، واللتان تتاجران في السموم وتضربان بدم بارد، تحولتا في غرفتهما الضيقة إلى مخلوقين يحتميان ببعضهما البعض من قسوة العالم.

​”الصفقة الكبيرة بكرا يا ياسمين،” همست سارة وهي تضع الضمادة على وجه ياسمين.

“البودرة اللي خلطتها دي هتنزل السوق الصبح. هتعملنا قرشين حلوين.

لو مشيت صح، الشتا ده مش هنقضيه تحت السقف اللي بينش مية ده. هنقل لحتة نضيفة.. حتة ما حدش يعرف أصلنا فيها.”

​فتحت ياسمين عينيها، ونظرت إلى سارة بنظرة مليئة بالولاء الأعمى: “أنا معاكي في أي حاجة يا سارة.. اللي تقوليه هيمشي. لو عايزاني أهد الحارة دي على اللي فيها عشان نرتاح.. حهدها.”

​ضحكت سارة ضحكة خافتة، باردة، لا تصل إلى عينيها.

“مش محتاجين نهدها.. محتاجين نصرّف البضاعة وناخد فلوسهم ونمشي. البشر دول مجرد زباين.. والزبون اللي عقله طار، فلوسه حلال لينا.”

​استدارت سارة وعادت إلى صينيتها، تكمل خلط السموم بملعقتها الصغيرة تحت ضوء اللمبة العارية التي تتأرجح من السقف، بينما استلقت ياسمين بكامل ملابسها وحذائها العسكري على السرير، واضعة يدها تحت رأسها، وممسكة بمطواتها في اليد الأخرى، مستعدة لأي غدر قد يأتي من وراء الباب.

 كان الظلام يملأ المكان، ولم يكن هناك أي مؤشر يدل على أن هاتين النفستين المظلمتين ستعرفان يوماً معنى النقاء..

والامتلاك الجسدي الذي يربط مصائرهن الثلاثة معاً؛

حيث تتشابك الأجساد لتطهير ما أفسدته الأيام، في رحلة عنيفة وغامضة لـ ‘غسيل الأرواح’.. فهل يغسل الحب دماء الماضي، أم يحرقهن جميعاً؟”