انشقاق الفجر وثوب الضباب
لم يكن الصباح في أطراف العاصمة يأتي حاملاً معه الأمل أو خيوط الذهب؛ بل كان يأتي كغطاء رمادي ثقيل يتسلل عبر الضباب الدخاني المخلوط برائحة المازوت المحترق. انقشع الليل عن حركة دؤوبة في سوق الجمعة القريب من الحارة، وهو المكان الذي تباع فيه كل الأشياء التي استغنى عنها أصحابها، أو التي سُرقت من بيوتهم في عتمة الليل.
كانت الأرصفة تفترش الملابس المستعملة، الأجهزة الكهربائية الخردة التي تفوح منها رائحة الأسلاك المحترقة، والطيور الهزيلة المذعورة داخل أقفاصها الخشبية.
النبرة العامة للسوق هي الصراخ؛ الباعة يصرخون لإغراء الزبائن الجائعين، والنساء يفاصلن على قروش قليلة، والنشالون الصغار، الذين تدربوا تحت إشراف “المعلم حامد” وأمثاله، يتحركون كظلال سريعة بين التجمعات، يبحثون عن جيب غافل أو حقيبة قماشية مهترئة.
في وسط هذه الفوضى العارمة، كانت “سارة” تسير بخطوات هادئة وموزونة، ترتدي عباءة سوداء واسعة، وتضع على رأسها وشاحاً يخبئ جزءاً من وجهها الشاحب، لكن عينيها الحادتين كانتا تتحركان كعدسة كاميرا تلتقط التفاصيل وتزن البشر.
كانت ياسمين تسير خلفها بخطوة واحدة، واضعة يديها في جيبي سترتها الجلدية، وعيناها تدوران في المكان كحارس شخصي مستعد للانقضاض.
الخدش الذي على وجنتها بفعل معركة البارحة قد تخثر، تاركاً خطاً أحمر داكناً زاد من حدة ملامحها الشرسة.
قالت سارة بصوت خفيض لا يسمعه غير ياسمين، وهي تتوقف عند بائع توابل وتتظاهر بفحص البضاعة:
“البودرة اتوزعت على العيال الصبح يا ياسمين.
الحتة الشرقية والخرابة القديمة بقوا تحت إيدنا.
الفلوس هتبدأ تتجمع بعد اسبوع كدة.
مش عايزة أي غلطة، ولا عايزة عيل من الصبيان يفتح بقه أو يسرق قرش واحد من الإيراد.
اللي يمد إيده، إنتي عارفة هتعملي فيه إيه.”
أومأت ياسمين برأسها، ونفثت زفيراً ساخناً شكل غيمة صغيرة في الهواء البارد:
“العيال مرعوبة من اللي حصل لحامد البارحة.
الخبر لف الحارة في ساعة.
الكل عرف إن الأسطى ياسمين قطعت مناخير حامد ودشدشت رجالته.
ما حدش هيجرؤ يسرقنا يا سارة.
بس أنا قلقانة من عيون المباحث، المخبرين زادوا في السوق اليومين دول.”
التفتت سارة إليها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة متهكمة:
“المخبرين بياكلوا من خيرنا يا ياسمين.
طول ما المظروف بيوصلهم أول الشهر، عيونهم هتبص الناحية التانية.
الجريمة في البلد دي ليها نظام، وإحنا بنحترم النظام وبندفع تمنه.
المهم نلم القرشين دول عشان الشقة الجديدة.”
تحركت الفتاتان نحو زاوية السوق حيث تباع الأقمشة القديمة والكتب المستعملة؛ وهو مكان أقل ضوضاءً وأكثر عزلة.
وفجأة، تسببت مشاجرة عنيفة بين بائعي خردة في تدافع الحشود بشكل مفاجئ.
تدافع البشر كأمواج بشرية هائجة، مما جعل فتاة تعبر الطريق تتعثر وتسقط أرضاً، وتتناثر محتويات حقيبتها البسيطة على التراب المخلوط بماء الصرف الصحي.
كانت تلك الفتاة هي “أحلام”.
لم تكن أحلام تنتمي إلى هذا المكان، كان ذلك واضحاً من النظرة الأولى؛ بشرتها بيضاء صافية كالحليب، وعيناها الرماديتين الواسعتان تحملان براءة وخوفاً يشبهان خوف غزال ضل طريقه وسط قطيع من الذئاب.
جمالها النادر و نعومتها الفائقة مثل اميرة من اميرات القصص الاسطورية
كانت ترتدي ثوباً قطنياً بسيطاً بلون وردي باهت، ووشاحاً أبيض يحيط بوجهها المستدير الناعم.
سقطت على ركبتيها، وبدأت تحاول بـأيدي مرتعشة ونحيلة جمع دفاترها الصغيرة وبعض قطع الملابس التي اتسخت بالتراب.
اندفع أحد البلطجية الصغار، مستغلاً الفوضى، وحاول انتشال حقيبتها القماشية من يدها بعنف.
صرخت أحلام بصوت مخنوق بالدموع، صوت ناعم ورقيق، لم يألفه هذا الحي الذي لا يعرف سوى الجعة والشتائم:
“سيبها.. أرجوك سيبها.. دي حاجتي!”
قبل أن يتمكن البلطجي من جذب الحقيبة، امتدت يد مغطاة بجلد أسود خشن، وقبضت على معصمه بقوة جعلت عظام يده تطقطق.
كانت ياسمين.
نظرت ياسمين إلى الشاب بعينين متجمرتين وقالت بنبرة حادة كالموس:
“غور من هنا يلا.. قبل ما أعمل فيك عاهة تلم عليها حسنات بقية عمرك.”
رأى الشاب وجه ياسمين، وعرفها فوراً، فشحب لونه وتراجع إلى الخلف بسرعة وهو يتمتم باعتذارات غير مفهومة، ثم اختفى بين الحشود.
انحنت ياسمين لتلتقط الدفتر الأخير الذي سقط على الأرض، وفي تلك اللحظة، اقتربت سارة بخطوات بطيئة.
نظرت سارة إلى الفتاة المستلقية على الأرض، ولأول مرة منذ سنوات، شعرت سارة بـلسعة غريبة في صدرها.
كان نقاء أحلام يشع وسط القذارة المحيطة بها، وكأنها زهرة نبتت في مقبرة.
مدت ياسمين يدها الخشنة لتساعد أحلام على النهوض. عندما تلاقت أيديهما، شعرت ياسمين بنعومة مفرطة ودفء غريب سرى في جسدها، مما جعلها تتصلب للحظة.
وقفت أحلام، وهي تنفض التراب عن ثوبها بـحرج شديد، وجسدها كله يرتجف، ثم رفعت عينيها المليئتين بالدموع لتنظر إلى الفتاتين.
”شكرًا.. شكرًا جزيلاً ليكم.. أنا مش عارفة كنت هعمل إيه من غيركم،” قالتها أحلام بصوت متهدج، خجول، وعيناها تتنقلان بين وجه سارة الحاد الجميل، ووجه ياسمين الشرس والمليء بالندوب.
تأملت سارة تفاصيل وجه أحلام؛ شفايفها الوردية المرتعشة، رموشها الطويلة البلورية بقطرات الدموع، ورائحتها التي كانت تفوح بنقاء غريب يشبه رائحة الياسمين البري بعد المطر، رائحة غريبة تماماً عن جغرافيا القاع ورائحة الصرف الكريهة.
سألتها سارة بنبرة خفيضة، خالية من حدتها المعتادة، بل بدت فيها مسحة من الفضول والاهتمام:
“إنتي إيه اللي جابك هنا يا شاطرة؟ المكان ده مش ليكي.. البنات اللي زيك مكانهم مش في وسط الزبالة دي.”
خفضت أحلام رأسها بـخجل، واحمرت وجنتاها الوجلتان وهي تشد وشاحها حول عنقها:
“أنا.. أنا جيت أدور على شغل في محلات الخياطة اللي ورا السوق.. أنا نقلت حاجتي لشقة صغيرة قريبة من هنا.. طردونا من بيتنا القديم .”
تبادلت سارة وياسمين نظرة سريعة وطويلة.
كانت هناك لغة سرية تدور بين الفتاتين؛ نظرة تحتوي على مزيج غريب من الرغبة، الدهشة، وشعور بالاستحواذ بدا يولد في تلك اللحظة بالذات.
هذا الكائن الرقيق، المستضعف، المليء بالأنوثة الفطرية والنقاء، أيقظ في أعماقهما المظلمة شيئاً لم تختبراه من قبل: رغبة عارمة في الامتلاك، وفي نفس الوقت، رغبة في الاختباء داخل هذا النقاء لتطهير أنفسهما.
”شقة قريبة؟ فين بالظبط؟” سألت ياسمين، وصوتها المبحوح بدا أقل خشونة، وكأنها تحاول ألا تخيف هذا الطائر الرقيق الواقف أمامها.
أشارت أحلام بيدها نحو البيوت المتهالكة التي تقع تحت السطوح مباشرة:
“في الحارة الجوانية.. البيت اللي جمب بياع الفحم.. اوضتين صغار على القد.”
ابتسمت سارة ابتسامة غامضة، دافئة للمرة الأولى، وقالت:
“يعني بقينا جيران.. أنا سارة، ودي ياسمين. والبيت اللي بتتكلمي عنه ده، إحنا ساكنين فوق السطوح الي بعد اربع عمارات منو.
يعني من هنا ورايح، ما حدش يقدر يلمس شعرة منك في الحارة دي. مفهوم؟”
نظرت أحلام إليهما بشعور مفاجئ بالأمان وسط كل هذا الرعب، وأومأت برأسها وهي تبتسم بـرقة وخجل أذاب الجليد المتراكم حول قلبي سارة وياسمين:
“مفهوم.. أنا أحلام.. وتشرفت بيكوا جداً.”
افترقت الفتيات بعد أن ساعدت ياسمين أحلام في حمل حقيبتها الثقيلة حتى مدخل البيت القديم. طوال الطريق، كانت عيون ياسمين وسارة مثبتة على حركة جسد أحلام الناعم، طريقة مشيتها الخجولة، والاهتزاز الرقيق لمؤخرتها عندما تسير.
كانتا تتنفسان رائحتها وكأنهما مدمنتان عثرتا على مادة جديدة أشد فتكاً من كل السموم التي تبيعانها في السوق.
عندما صعدت سارة وياسمين إلى غرفتهما المظلمة فوق السطوح وأغلقتا الباب، ساد صمت ثقيل ومحمل بالتوتر.
لم تتوجه سارة إلى صينية الميزان كالمعتاد، ولم تستلقِ ياسمين بحذائها العسكري على السرير.
جلست ياسمين على طرف السرير، وأشعلت سيجارة بيد ترتعش قليلاً، ونظرت إلى سارة التي كانت تقف عند النافذة الصغيرة المطلة على الحارة، تراقب الفناء السفلي حيث دخلت أحلام.
”شفتيها يا سارة؟” سألت ياسمين بصوت مخنوق بالشغف، “شفتي عينيها؟ البنت دي ما ينفعش حد يلمسها غيرنا.. دي نضيفة أوي.. نضيفة لدرجة توجع.”
التفتت سارة، وكانت عيناها الشاحبتان تلمعان ببريق لم تره ياسمين فيهما قط.
خلعت وشاحها وتركت شعرها البني الطويل ينسدل على كتفيها، ثم تقدمت ببطء نحو ياسمين.
انحنت فوقها، ووضعت يديها الباردتين على كتفي ياسمين الجلدية، وقالت بنبرة مستعرة، مليئة بـالرغبة والامتلاك:
“أنا شفتها.. وشفت نظرة الخوف اللي في عينيها لما مسكتي إيدها.
البنت دي دخلت منطقتنا يا ياسمين، ودخولها مدا مش حاجة عادية.
أحلام دي هتبقى بتاعتنا.. هنعلمها إزاي تحبنا، وهندوب قسوتنا في حضنها.
إحنا الاتنين محتاجينها.. محتاجين نغسل قذارة الأيام دي في نقاء جسمها وقلبها.”
جذبت ياسمين سارة من خصرها بقوة، لتلتصق أجسادهما معاً في الغرفة الضيقة تحت ضوء اللمبة المتأرجحة.
تشابكت أنفاسهما الحارة، وكان التفكير في “أحلام” يغذي الشغف العنيف بينهما، ويحوله إلى رغبة جارفة في السيطرة والامتلاك الجسدي والعاطفي المشترك.
”لو حد قربلها من كلاب الحارة دي، هقتله يا سارة،” همست ياسمين وهي تدفن وجهها في عنق سارة، “أحلام هتبقى الملاذ بتاعنا.. بس هي هتقدر تتحملنا؟ هتقدر تتحمل عالمنا المظلم؟”
مسدت سارة على شعر ياسمين القصير بـحنان ، وقالت وعيناها مثبتتان على الباب:
“هتتحملنا.. لأننا هنحميها، ولأن الحب اللي هندوقهولها مش هتشوفه عند حد تاني.
الحب بتاعنا عنيف، وغامض، بس هو الحاجة الوحيدة الصادقة في حياتنا.
من بكرا.. تبدأ الخطة.
أحلام لازم تكون هنا.. في الغرفة دي.. بين إيدينا في اقرب وقت.”
استلقت الفتاتان معاً على السرير الإسفنجي، والظلام يلف الغرفة، لكن العتمة هذه المرة لم تكن مليئة بأرقام الصفقات وأكياس البودرة فقط؛ بل كانت محملة بـطيف أحلام الرقيق. كانت سارة ترسم في عقلها البارد خطة محكمة لإيقاع الفتاة الخجولة في شباكهما، ليس بالأذى، بل بتقديم الحماية والدعم المالي والوجداني الذي تحتاجه فتاة وحيدة في هذا القاع، حتى تصبح عاجزة عن الاستغناء عنهما.
بينما كانت ياسمين تتخيل اللحظة التي ستضم فيها ذلك الجسد الناعم إلى صدرها المليء بالندوب، لتشعر لأول مرة بأنها إنسانة تستحق الدفء، وليس مجرد آلة قتل ومخالب في العتمة.
كان الظلام قد بدأ يتنفس بالكامل خارج الغرفة، يطرد الضباب ببطء، معلناً عن بدء فصل جديد وعنيف من “غسيل الأرواح”.. حيث ستتداخل المصائر الثلاثة في علاقة عاطفية وجسدية مستعرة، ستغير كل شيء، وستقودهما إما إلى نور التوبة الخالص، أو إلى احتراق كامل لا ينجو منه أحد.
عادت سارة لتقف امام تلك النافزة تراقب تلك الشوارع الديقة التي يكسوها الظلام .