شباك صامتة وأنفاس مستعرة
لم تكن سارة تترك خطوة واحدة للمصادفة؛ فالأجساد النظيفة والنفوس النقية تحتاج إلى جراحة دقيقة لامتلاكها.
في صباح اليوم التالي لليلة الشغف العنيف التي جمعتهما، جلست سارة على طرف الفراش، وعيناها الشاحبتان تحملان حزماً لا يلين.
نظرت إلى ياسمين التي كانت تنظف نصل مطواتها بقطعة قماش، وقالت بنبرة خفيضة وآمرة:
”من النهاردة يا ياسمين، رجلك مش هتقطع البيت اللي تحت. عيونك تفضل صاحية. عايزة أعرف البنت دي بتصحى إمتى، بتروح فين، مين بيقرب من بابها، وأبوها ده بيخرج يرجع إمتى. النقاء ده لازم ندرسه كويس قبل ما نمد إيدنا ونلمسه. ادرسيلي حركتها خطوة خطوة.”
أومأت ياسمين برأسها دون تردد.
وولاؤها الأعمى لسارة، ممزوجاً بالشغف الذي أشعلته أحلام في صدرها، جعلها تتحول إلى ظل صامت.
على مدار ثلاثة أيام متتالية، كانت ياسمين تقضي الساعات طوال النهار والليل مختبئة في زوايا الحارة المظلمة، أو خلف جدران دكان الفحم المقابل لبيت أحلام.
كانت تراقب من خلف سترة جلدية سوداء، وعيناها المتجمرتان تلتهمان كل تفصيلة.
رأت أحلام وهي تخرج في الصباح الباكر برداء بسيط، تمشي بـخطى مرتجفة وخجولة، مطأطئة رأسها لتتفادى نظرات البلطجية.
ورأت والدها، عبد الحميد، وهو يخرج ليلاً بجسد منحني ووجه شاحب كالأموات، ليعود في الفجر يترنح من الخيبة بعد أن ترك ما تبقى من قروش على طاولات القمار.
كانت ياسمين تشعر برغبة عارمة في الانقضاض على ذلك البيت، ليس للأذى، بل لانتزاع ذلك الطائر الرقيق واحتجازه في غرفتهما فوق السطوح بعيداً عن قذارة العالم.
في عصر اليوم الرابع، بينما كانت ياسمين تتكئ على جدار متهالك يطل على ممر البيت، انشق الصمت الصاخب للحارة عن صوت سرينة سيارة شرطة تقترب بعنف.
توقفت السيارة بوكس زرقاء أمام المنزل مباشرة، واندفع منها ضابط واثنان من أمناء الشرطة يحملون دفاتر وأوراقاً رسمية.
انقبض قلب ياسمين وتقدمت خطوتين في الظل لتراقب ما يحدث.
خرج عبد الحميد مستسلماً، والكلابشات الحديدية تطوق معصميه المرتعشين، وخلفه كانت تندفع أحلام.
كانت تصرخ بـرقة وانكسار، ودموعها تسيل بغزارة على وجنتيها المرمريتين، وهي تتوسل للضابط بصوت مخنوق أذاب قسوة الصخر:
“أرجوك يا فندم.. سيبوه.. هو مريض.. هنسدد الفلوس والله هنسددها.. إدونا فرصة!”
لكن القانون في هذا القاع لا يعرف الرقة.
دفع أمين الشرطة الأب داخل السيارة، وتحركت العربة بسرعة تاركة غباراً كثيفاً، وأحلام سقطت على ركبتيها عند عتبة الباب، تبكي بـنحيب مرير وهي تضع وجهها بين يديها النحيلتين.
لم تضيع ياسمين ثانية واحدة.
التفتت وركضت بسرعة هائلة صاعدة درجات السلم الدائري لبيت السطوح.
دفعت الباب بعنف وهي تتنفس بجهد، وقالت لسارة التي كانت تزن بضع أكياس بلاستيكية:
“سارة! أبو أحلام.. الشرطة أخدته حالا. الديون جابت أجله والكلابشات في إيده. البنت لوحدها تحت وبتتموت من العياط.”
توقفت يد سارة في الهواء.
وضعت الملعقة ببطء، ولمعت عيناها ببريق حاد وبارد، بريق الصياد الذي رأى طريدته تسقط في الشباك وحدها.
وقفت، وعدلت عباءتها السوداء وقالت بنبرة حسم:
“اللحظة جت يا ياسمين. يلا ننزل.. بس افتكري، إحنا عرفنا بالصدفة من عيال في الشارع. البنت دي لازم تشوفنا السند الوحيد ليها دلوقتي.”
نزلت الفتاتان السلالم بخطى سريعة، وتقدمتا نحو باب الشقة الأرضية الذي كان موارباً.
كانت أصوات نحيب أحلام تخرج من الداخل كتراتيل حزينة.
دفعت سارة الباب برفق، ودخلت تتبعها ياسمين.
كانت الشقة تجسيداً للبؤس؛ أثاث قليل ومكسور، وجدران رطبة.
وكانت أحلام تجلس على الأرض، واضعة رأسها على ركبتيها، وجسدها كله يتنفض من البكاء.
انحنت سارة برفق، وقالت بصوت ناعم، حانٍ، يناقض تماماً طبيعتها الإجرامية:
“أحلام.. يا حبيبتي، مالك؟ إيه اللي حصل؟”
رفعت أحلام وجهها المضجر بالدموع.
وعيناها الرماديتين الواسعتان كانتا حمراوين من شدة البكاء، وشفتيها الوردية الممتلئة ترتعشان بـذعر.
عندما رأتهما، شعرت بـبارقة أمل وسط الظلام، فقالت بصوت متقطع:
“سارة.. ياسمين.. إنتوا جيتوا إزاي؟”
قالت سارة وهي تجلس بجانبها على الأرض وتلمس كتفها برفق:
“إحنا كنا نازلين نشتري حاجات ، وسمعنا اتنين من الصبيان في الشارع بيتكلموا ويقولوا إن البوليس أخد راجل كبير من البيت ده. قلبي وكلني وقلت لياسمين لازم نجري نشوف في إيه.. طمنينا، إيه اللي حصل؟”
ارتمت أحلام دون تفكير في أحضان سارة، وبدأت تسرد قصتها بـنحيب مرير وكلمات متداخلة:
“بابا.. بابا ضيع كل حاجة.. بعد ما ماما ماتت، مابقاش يشوف قدامه.. أدمن القمار بشكل مرعب.. اختي الكبيرة اتجوزت وسافرت وسابتنا، وهو بدأ يرهن ويبيع كل اللي نملكه.. حتى الشقة والدهب.. الديون اتراكمت عليه وبقينا ملاحقين في كل مكان.. وجينا هنا عشان نستخبى، بس أصحاب الديون وصلوا له ورفعوا قضايا.. والنهاردة أخدوه عشان مش قادر يسدد.. أنا ضعت يا سارة.. ماليش حد في الدنيا دي غيره!”
بينما كانت أحلام تبكي بحرقة ويدها تتشبث بعباءة سارة، كانت سارة تطوق جسد أحلام النحيل بذراعيها.
وفي تلك اللحظة بالذات، تداخلت مشاعر التعاطف الإنساني في نفس سارة مع بركان من الشغف والشهوة المستعرة.
كانت هذه هي المرة الأولى في حياتها التي تحتضن فيها كائناً بهذه النعومة المفرطة.
جسد أحلام كان يبدو بين يدي سارة الخشنتين كقطعة من البلور الطري، تفوح منه رائحة فطرية زكية تذكر بالياسمين البري والمطر، رائحة غريبة تماماً عن قذارة المخدرات والدماء التي تعيش فيها سارة.
شعرت سارة بـدقات قلب أحلام المتسارعة ترتطم بصدرها، وبدفء جسدها الغض الذي يذوب بين ذراعيها.
سرت قشعريرة رغبة حادة في عروق سارة؛ تمنت لو أن هذا البكاء لا ينتهي لتبقى أحلام في حضنها، وبدأ عقلها البارد يخطط لامتلاك هذا الجسد النقي، واكتشاف كل تفصيلة فيه عبر طقوس من الشغف التي ستطهر روائح الجريمة العالقة بجلدها.
كانت تداعب ظهر أحلام بـلمسات ناعمة متقصدة، وعيناها الشاحبتان تتأملان انحناء عنق أحلام المرمرى المكشوف، وشفتيها المرتعشتين بـشهوة مكتومة غلفتها بكلمات التهدئة:
“اششش.. اهدي يا حبيبتي.. اهدي يا أحلام. طول ما إحنا هنا، إنتي مش لوحدك. باباكي هيرجع، وإحنا مش هنسيبك للكلاب دول.”
في الجهة المقابلة من الغرفة، كانت ياسمين تقف ساندة ظهرها إلى الجدار، لكن ملامحها لم تكن تحمل ذات الهدوء.
كانت عيناها المتجمرتان تتحركان بـتركيز حيواني مفترس على تفاصيل جسد أحلام المنكسر في حضن سارة.
كانت نظرات ياسمين تتنقل ببطء وشهوة واضحة بين صدر أحلام الناهد الذي يرتفع وينخفض بعنف مع شهقات بكائها، وبين عنقها الأبيض الطويل الناعم الذي كان يظهر بوضوح مع تحرك وشاحها، وصولاً إلى ساقيها الغضتين النحيلتين اللتين ظهرتا من تحت ثوبها الوردي الباهت المستلقي على الأرض.
كان ياسمين يتملكها جنون من الرغبة والإعجاب الطاغي؛ كان يدور في خاطرها شريط عنيف ومثير.
تخيلت نفسها وهي تزيح سارة جانباً، وتلتقط هذا الجسد البلوري بين يديها المفتولتين، وتغرس نصل شغفها وقوتها في هذا النقاء.
تمنت لو تقبل ذلك العنق المرمرى بعنف يترك آثار مخالبها عليه، وتمنت لو تطوق هاتين الساقين الناعمتين حول خصرها في غرفتهما المظلمة فوق السطوح، لتمتص كل رقة أحلام وتجعلها تصرخ باسمها بدلاً من صراخ البكاء.
أمسكت ياسمين بقبضتها على حزامها الجلدي بشدة، وأنفاسها بدأت تثقل وهي ترى سارة تحتضن أحلام بـتلك النعومة.
كانت الرغبة في السيطرة والامتلاك الجسدي لأحلام تشعل نيراناً جديدة بين الفتاتين، رغبة مشتركة في اقتسام هذا الملاك الأنثوي وتدنيسه بنعومة طقوسهما الخاصة .
قالت ياسمين بصوت مبحوح، محاولة السيطرة على نبرتها المثارة:
“سارة عندها حق يا أحلام. البيت هنا مابقاش أمان ليكي لوحدك، وكلاب الحارة لو عرفوا إن أبوكي اتمسك، مش هيسيبوكي في حالك. من النهاردة.. إنتي مكانك مش هنا.”
رفعت أحلام رأسها بـخجل من حضن سارة، ونظرت إلى ياسمين بـعيون رمادية بللها الدمع، وقالت بقلة حيلة:
“أومال حروح فين؟ أنا ماليش مكان تاني، ومعنديش فلوس لأي حتة.”
ابتسمت سارة ابتسامة غامضة، دافئة ومرعبة في آن واحد، ومسحت دمعة سقطت على وجنة أحلام بـإصبعها النحيل، وقالت:
“هتطلعي معانا فوق السطوح.. غرفتنا هتبقى غرفتك، وإحنا اللي هنحميكي ونشيلك.. من النهاردة إنتي معانا يا أحلام.”
نظرت أحلام إليهما، ولم تكن تدري أن وجودها بينهم لن يكون مجرد هروب من ديون والدها، بل هو دخول رسمي إلى محراب الشغف والامتلاك الجسدي العنيف الذي ينتظرها بين أحضان سارة وياسمين و بداية في طريق الظلام.