قربان على عتبة البلور

File 00000000fcfc720ab6c40bf1c571bb81 683x1024

قربان على عتبة البلور

كانت أنفاس سارة لا تزال ممتزجة برائحة أحلام الزكية، يداها تطوقان جسد الفتاة الرقيق بينما عقلها يزن الخطوة التالية.

وحين أوشكت سارة على حثّها على الوقوف لجمع أشياءها والصعود إلى السطوح، رفعت أحلام رأسها ببطء، وتراجعت خطوة صغيرة إلى الوراء بـخجل، وعيناها العسليتان تتأملان سارة وياسمين بنظرة رجاء مرتجفة.

​شبكت أحلام أصابعها النحيلة ببعضها البعض، وقالت بنبرة خافتة، ناعمة ومترددة:

“سارة.. ياسمين.. أنا.. أنا متشكرة ليكم أوي، بس لو ينفع.. ينفع نفضل هنا في الشقة؟ أنا عارفة إن غرفتكم فوق السطوح هي مكانكم، بس الشقة هنا أوسع بكتير وهتاخدنا إحنا التلاتة مستريحين.. وكمان، أنا مش عارفة بابا هيرجع إمتى، أو المحامي هيطلعه في أنهي يوم.. أنا خايفة يرجع في أي وقت وما يلاقينيش في البيت، فيقلق عليا ويموت من الخوف.. أرجوكم، خليكم معايا هنا.”

​تبادلت سارة وياسمين نظرة سريعة، صامتة ومحملة بـحسابات جديدة.

 كانت ياسمين واقفة عند الجدار، تلاحق حركة شفتي أحلام الوردية الممتلئة وهي تتحدث، وشعرت بأن فكرة البقاء في شقة أحلام تمنحهما مساحة أكبر، وخصوصية بعيدة عن عيون الغدر على السطوح، فضلاً عن أن وجودهما في مساحتها الخاصة سيعجل من إذابة الجدران بينهن.

​ابتسمت سارة ابتسامة هادئة، ومسحت برفق على خصلات شعر أحلام الكستنائي الحريري، وقالت بصوت دافئ:

“اللي تشوفيه يا قلب سارة. ما عاش ولا كان اللي يقلقك أو يخليكي خايفة. الشقة أوسع فعلاً، وإحنا هننقل حاجتنا ونبقى معاكي هنا خطوة بخطوة. مش هنسيبك لوحدك أبداً.”

​تنفس بجهد وارتياح بدا واضحاً على صدر أحلام الذي ارتفع وانخفض برقة، وقالت: “ربنا يخليكم ليا.. أنا مش عارفة من غيركم كنت هعمل إيه.”

​قالت ياسمين وهي تتحرك نحو الباب بخطواتها الواسعة الثقيلة: “خلاص، اتفقنا. استنينا هنا يا أحلام، مش هنغيب عليكي. حنطلع فوق نجيب شوية حاجات وأغراض تهمنا ونرجعلك علا طول. اقفلي الباب وراكي كويس وماتفتحيش لأي حد.”

 

​خرجت الفتاتان إلى الحارة، وصعدتا السلالم الأسمنتية الدائرية المؤدية إلى السطوح.

كانت الرياح الباردة تلطم وجهيهما، لكن النيران التي أشعلتها أحلام في صدريهما كانت كفيلة بطرد أي برد.

دخلتا الغرفة المظلمة ذات الجدران الزرقاء المقشرة، وتوجهت سارة فوراً إلى أسفل السرير، وسحبت الصندوق الحديدي الصغير، وفتحت القفل لتخرج رزم الأموال.

​كانت هذه الأموال هي “المقدس” الوحيد في حياة سارة وياسمين؛ الفلوس التي غُسلت بالدم والسموم، والتي كانتا تجمعانها جنيهاً فوق جنيه، بـحرمان شديد وبخل على نفسيهما، من أجل تحقيق حلمهما الأكبر: شراء شقة نظيفة في حي راقٍ بعيد عن هذا القاع، حارة لا تذكرهما بماضيهما الأسود.

كان الاتفاق بينهما صارماً: “هذه الأموال لا تُمس مهما حدث”.

​عدّت سارة بضع ورقات لتأخذ مصاريف عادية، لكن ياسمين خطت نحوها فجأة، ووضعت يدها الخشنة المفتولة فوق يد سارة لتوقفها.

 نظرت سارة إليها بـدهشة، مستنكرة هذا التدخل.

​قالت ياسمين بصوت مبحوح، جاد، يحمل نبرة لم تعتدها سارة منها:

“سارة.. الشقة تحت فاضية.

 مافيهاش لقمة تتاكل، ولا هدوم تليق بنظافة البنت دي. باباها ضيع كل حاجة. إحنا لازم نلم الدور ونملا البيت خير.”

​ضاقت عينا سارة الشاحبتان وقالت ببرود: “عارفة.. حاخد جزء صغير نشتري بيه عشا.”

​قطعت ياسمين كلامها بقوة وقالت: “لا يا سارة.. مش جزء صغير. أنا بقول ناخد مبلغ محترم من فلوس الشقة الجديدة. الفلوس اللي اتفقنا ما نلمسهاش. نشتري للبنوتة والبيت كل النواقص.. لحمة، خضار، فاكهة من النضيفة اللي مابتنزلش السوق هنا. ونشتري كمان لبس جديد.. لبس لينا، ولبس لأحلام.. البنت دي لازم تعيش ملكة وسطنا، ومش عايزها تحس بكسرة النفس اللي أبوها سابهالها وكمان انا عايزة امتع نظري فيها و هية لابسة حاجات مثيرة قبل ما نظبطها.”

و بعدين كدة كدة فلوس البضاعة الاخرانية حتبدا تتجمع كمان يومين و حنعوض كل حاجة .

​تصلبت سارة في مكانها.

اقتراح ياسمين كان بمثابة انتحار لخططهما البعيدة.

نظرت إلى عيني ياسمين المتجمرتين، وتوقعت أن ترى نوبة غشومية أو اندفاع، لكنها رأت في عيني شريكتها شيئاً آخر: رأفت وشغفاً جارفاً بأحلام، رغبة في صب كل القوة والمال تحت قدمي هذا الملاك.

​ولأن سارة كانت قد تذوقت لتوها نعومة جسد أحلام في حضنها، ولأن رائحة البلور المرمرى كانت لا تزال عالقة في أنفاسها، حدث شيء غير متوقع تماماً.

 انفرجت أسارير سارة، وضحكت ضحكة خافتة، ناعمة وصادقة للمرة الأولى، وقالت:

“مش عوايدك الحنية دي يا ياسمين.. بس أنا موافقة، بل ومرحبة جداً بالفكرة. أحلام تستاهل.. تستاهل نهد الدنيا عشانها، مش بس نصرف من الفلوس. وكمان خلينا نعتبر ان الي بندفعو هوة تمن استمتاعنا فيها في اليل و بعدين كدة كدة اما نشغلها حترجع تسد الدين الي عليها  خدي رزمة كاملة.. ويلا ننزل نشتري كل حاجة.”

 

​نزلت الفتاتان إلى السوق الكبير، لكن هذه المرة لم تكونا تسيران بعيون الصيادين الذين يبحثون عن صفقات المخدرات أو تصفية الحسابات او سرقة معتبرة.

كانت ياسمين تتحرك بحماس غريب، تشتري أفضل أنواع اللحوم الحمراء، وتختار الخضار والفواكه الطازجة الملونة التي كانت تبدو كالجواهر وسط رطوبة السوق.

بينما سارة دخلت إلى محل ملابس محترم على أطراف الحي، واختارت أثواباً قطنية ناعمة، وفساتين رقيقة بلون الورد تناسب أنوثة أحلام الطاغية، بالإضافة إلى ملابس جديدة لهما لتليق بالجلوس مع هذا الملاك.

​طوال طريق العودة، وهما يحملان الأكياس الكثيرة والثقيلة، ساد بين سارة وياسمين شعور غريب لم يختبراه طوال حياتهما.

كانتا دائماً تشعران باللذة عند جمع المال، أو عند الانتصار في معركة، أو عند تصريف صفقة سموم ناجحة؛ لكن تلك اللذة كانت دائماً متبوعة بـغثيان داخلي وضيق في الصدر.

​أما الآن، فكانت صدورهما تتسع بنشوة دافئة وصافية.

 لأول مرة في حياتهما، تشعران بـ “النبل”. تذوقتا طعم أن تكونا سبباً في مسح دمعة، في حماية كائن ضعيف، في صناعة فرحة وسط الركام. كان هذا الشعور بمثابة أول قطرة ماء نقي تسقط على أرواحهما المتفحمة لتغسل جزءاً من سواد الماضي، مما جعلهما يتبادلان نظرات مليئة بسعادة بكر، سعادة مجردة من قسوة الجريمة.

 

​عادتا إلى الشقة الأرضية.

 دقت ياسمين الباب بقدمها برفق وهي تحمل الأكياس، وحين فتحت أحلام الباب، تراجعت إلى الخلف بـذهول وصدمة ألجمت لسانها.

​دخلت ياسمين وسارة، وبدأتا في رص الأكياس الكبيرة على الطاولة الخشبية المكسورة؛ رزم اللحوم، الفواكه الطازجة التي فاحت رائحتها الذكية في رطوبة المكان، والأكياس التي تحتوي على الملابس الجديدة الفاخرة ذات الملمس الناعم.

​نظرت أحلام إلى الطاولة، ثم إليهما، وعيناها العسليتان الواسعتان اتسعتا بـعدم تصديق، وشفتيها الممتلئتان انفرجتا بـدهشة طفولية.

 تقدمت بخطوات بطيئة، ولمست بـأطراف أصابعها النحيلة أحد الأثواب القطنية الجديدة، ثم التفتت إليهما والدموع تترقرق في عينيها مجدداً، لكنها هذه المرة لم تكن دموع انكسار، بل دموع امتنان جارف.

​”إيه.. إيه كل ده؟” قالتها أحلام بصوت مخنوق، مرتجف من شدة التأثر، “إنتوا عملتوا كده عشان مين؟ أنا.. أنا معنديش حاجة أردلكم بيها الجميل ده.. إنتوا جبتوا الفلوس دي كلها منين عشان خاطري؟”

​خطت سارة نحوها، وأمسكت بيديها النحيلتين الدافئتين، وقالت بنبرة ناعمة وصادقة:

“عملنا كده عشانك يا أحلام. عشان إنتي من النهاردة مش لوحدك، وعشان الكسرة والحزن اللي أبوكي سابهملك إحنا حنمحيهم. الفلوس دي فداكي، ومش عايزة أسمع كلمة جميل دي تاني.. إحنا بقينا أهل.”

​لم تحتمل أحلام هذا النبل المفاجئ وسط عالم لم يرحمها؛ ارتمت في حضن سارة مجدداً وهي تبكي بـشهقات ناعمة، ممتنة، ومستسلمة تماماً لهذا الحنان.

امتدت ذراع ياسمين القوية لتطوقهما معاً، ليصبح الثلاثة في خط من العناق الدافئ والمشحون.

 

​بينما كانت أحلام تذوب بين أيديهما بـإمتنان طفولي خالص، وتستشعر الأمان لأول مرة منذ وفاة والدتها، كان شعور الرغبة والامتلاك في نفوس الفتاتين يتضاعف أضعافاً مشحونة بالشهوة.

​كانت سارة تحتضن أحلام، وتشعر بـنعومة جسدها الذي ارتدى ثوباً بسيطاً يتضح من تحته تفتح أنوثتها الطاغية؛ صدرها الناهد المرتعش بـبكاء الفرح يضغط على صدر سارة الكبير، وخصرها النحيل يكاد يختفي بين يدي سارة الباردتين.

شعرت سارة بـرغبة عارمة في تقبيل تلك الوجنات المحمرة بـخجل، وفي غرس أصابعها في ذلك الشعر الكستنائي الطويل الذي كان ينسدل كالحرير على ذراعيها.

كان عقل سارة البارد قد تيقن أن أحلام أصبحت الآن صيداً سهلاً ومستسلماً، ليس بالقوة، بل بـحبال النبل والامتنان الناعمة.

​أما ياسمين، فقد كانت عيناها المتجمرتان تلتهمان المشهد بـشبق مكتوم وعنيف.

كانت نظراتها مركزة بالكامل على عنق أحلام المرمرى الطويل الذي تبلل بقطرات الدموع، وعلى شفتيها الوردية الممتلئة التي كانت تتحرك باعتذارات وشكر.

 شعرت ياسمين بـرغبة وحشية في انتزاع أحلام من حضن سارة، وفي حملها بين يديها المفتولتين نحو الفراش لتبدأ طقوس الامتلاك الجسدي العنيف؛ تمنت لو تلمس بيدها الخشنة تضاريس هذا الجسد النقي، ساقيها النحيلتين الغضتين، وصدرها المستدير الثائر، لتجعلها تنسى اسم والدها والديون، ولا تتنفس سوى باسم ياسمين وسارة.

​كان التفكير في الليلة القادمة، وفي النوم معاً في هذه الشقة الواسعة، يشعل خيال ياسمين بـسيناريوهات من الشغف والامتلاك الجسدي المشترك الذي سيربط مصائرهن الثلاثة معاً في رحلة غامضة وعنيفة . حيث سيتشابك الطين بالبلور، وتذوب القسوة لتتحول إلى رغبة مستعرة لا ترحم.

​ابتعدت سارة برفق، ونظرت إلى أحلام بـابتسامة غامضة وقالت:

“يلا يا حبيبتي.. خدي الهدوم الجديدة دي، وادخلي استحمي و غيري هدومك .. وإحنا حنجهز أحلى عشا في الدنيا.

 الليلة دي بداية حياتنا الجديدة مع بعض.”

​أومأت أحلام برأسها بـخجل وحياء أضفى على وجنتيها حمرة ساحرة، وأخذت الملابس ودخلت الغرفة الداخلية، تاركة خلفها سارة وياسمين تتبادلان نظرات مليئة بالشهوة، الانتصار، والولع الأعمى بما سيحدث وراء الأبواب المغلقة.