تراتيل الطين والبلور

File 00000000fcfc720ab6c40bf1c571bb81 683x1024

تراتيل الطين والبلور

كان الصمت الذي يعقب التخطيط في غرفة السطوح أثقل من صمت المقابر، صمت لا يكسره سوى فحيح السجائر وتأرجح الظلال على الجدران الزرقاء المقشرة.

 لم تكن الصدمة التي أحدثها ظهور “أحلام” في نفسيهما مجرد إعجاب عابر، بل كانت زلزالاً نبش في رماد ماضيهما، وأيقظ شبقاً مكبوتاً تداخلت فيه الرغبة بالاستحواذ مع الرغبة في التخلص من قسوة العالم.

 

ألقت ياسمين بعقب سيجارتها على الأرض وسحقته بحذائها العسكري بنزق واضح.

كانت أنفاسها متسارعة، وعيناها المتجمرتان تلاحقان سارة التي كانت لا تزال واقفة بعباءتها السوداء، تنظر إلى الفراغ.

 لم تحتمل ياسمين هذا التباعد؛ خطت خطوتين عنيفتين وجذبت سارة من ذراعها بقوة هائلة أدت إلى ارتطام جسد سارة النحيل بصدرها الصلب.

 

لم تتأوه سارة، بل رفعت رأسها وتلاقت عيناها الشاحبتان بعيني ياسمين.

 في تلك اللحظة، انطلقت الشرارة.

تحولت العلاقة بينهما إلى ساحة معركة جسدية عنيفة، لغة لا يتقنها سواهما لتفريغ شحنات الغضب والخوف والشهوة المستعرة.

 

أطبقت شفتي ياسمين على شفتي سارة في قبلة عنيفة، لم تكن تحمل أي رقة، بل كانت أشبه بعضة جائعة، امتزج فيها طعم التبغ بالوجع. دفعت ياسمين سارة نحو السرير الإسفنجي الموضوع على الأرض، وسقطتا معاً ككتلة واحدة من العضلات والأنفاس المحترقة.

 كانت ياسمين، بطبيعتها الشرسة وجسدها المفتول، تفرض سيطرتها في الفراش؛ اعتلت جسد سارة، وثبتت معصميها النحيلين فوق رأسها بضغط قوي جعل سارة تتلوى تحتها دون جدوى.

 

“إنتي بتفكري فيها.. أنا عارفة إنك بتفكري فيها!” همست ياسمين بنبرة مبحوحة، غيورة، وعنيفة، وهي تغرس أصابعها في لحم كتفي سارة.

 

لم تجب سارة بالكلمات، بل واجهت عنف ياسمين بعنف مضاد؛ أفلتت إحدى يديها بمرونة والتفت حول عنق ياسمين، جاذبة إياها لأسفل، لتعض عنق ياسمين بقوة تركت أثراً دموياً صغيراً. كانت العلاقة الجسدية بينهما تخضع دائماً لهذا النسق الهائج: ياسمين تقود بالسيطرة العضلية والاندفاع الشرس، وسارة تستجيب ببرودها القاتل الذي يتحول فجأة إلى شبق عنيف يتحدى سيطرة ياسمين ويمتص قوتها.

 

تمزقت الملابس القطنية الخفيفة تحت الأيدي الخشنة، وتشابكت الأجساد العارية تحت ضوء اللمبة العارية التي بدت وكأنها ترقص مع اهتزازات السرير.

كانت ياسمين تتحرك بفوقية واضحة، تفرض إيقاعها بضربات ولمسات عنيفة، مستغلة قوتها البدنية لتطويع جسد سارة الشبق الذي كان يتلوى تحتها كأفعى بيضاء.

كانت كل لمسة بينهما تحمل طابعاً انتقامياً من الماضي، وطقساً لتطهير نفسيهما من دماء الضحايا وسموم التجارة.

ومع كل تأوه كان يصدر من سارة تحت وطأة سيطرة ياسمين، كان طيف “أحلام” يحضر في مخيلتيهما، ليزيد من اضطرام النيران وجنون الرغبة، حتى وصلتا معاً إلى ذروة عنيفة ومستهلكة، تركتهما ملقاتين على الفراش، تتنفسان بجهد، والعرَق يلمع على جسديهما كزيت فوق جلد متعب.

 

 

 

على بعد مسافة قليلة، في زاوية أكثر عتمة وانخفاضاً من الحي، كانت هناك حكاية أخرى تولد من رحم الانكسار.

 هنا، في شقة أرضية رطبة تفوح من جدرانها رائحة العفن والندم، كانت أحلام تجلس على مقعد خشبي مكسور، تحاول لملمة بقايا حياة تفتت بالكامل.

 

لم تكن أحلام وليدة هذا البؤس.

 قبل وقت قصير جدا، كانت تعيش في حديقة غناء بضواحي العاصمة، في بيت يفوح برائحة الاستقرار والبرجوازية الصغيرة.

لكن الموت لا يستأذن أحداً؛ عندما توفيت والدتها بمرض عضال، انهار السقف الذي يحمي العائلة. كان والدها، “عبد الحميد”، رجلاً ضعيف الشخصية، لم يحتمل الفراغ الذي تركته زوجته، ولم يجد ملاذاً يهرب إليه سوى موائد القمار في النوادي الليلية المشبوهة.

 

بدأ الأمر بتسلية صغيرة لقتل الوقت، وتحول سريعاً إلى إدمان مرضي يلتهم الأخضر واليابس. وفي نفس الفترة، تزوجت شقيقتها الكبرى وانتقلت للعيش مع زوجها في بلد بعيد، متخلية عن العبء، ليجد عبد الحميد نفسه وحيداً مع أحلام التي كانت لا تزال في مقتبل أنوثتها الغضة.

 

مع كل ليلة كان يقضيها الأب خلف الطاولات الخضراء، كان يخسر جزءاً من كرامته وأمواله. رهن البيت، ثم باعه، ثم امتدت يده إلى مصاغ زوجته الراحلة، وحتى مدخرات أحلام الصغيرة لم تسلم منه.

 وفجأة، وجدا أنفسهما مطرودين بقوة القانون من بيتهما، تلاحقهما الديون وأوامر الحبس.

لم يجد الأب حلاً سوى الفرار والاختباء في هذا الحي العشوائي، حيث لا تبحث الشرطة كثيراً عن المفلسين، وحيث تباع الضمائر بقروش قليلة. تحول ذلك الرجل الوقور إلى شبح هائم، يخرج ليلاً باحثاً عن فرصة قمار جديدة في المقاهي السرية للحي، تاركاً ابنته وحيدة في مواجهة ذئاب القاع.

 

 

 

في غرفتها الجديدة التي لا تتجاوز مساحتها بضعة أمتار، وقفت أحلام أمام مرآة دائرية صغيرة مشروخة، تحاول ترتيب شعرها بعد يوم السوق العصيب.

 كانت المرآة، رغم شرخها، تعكس صورة لجمال أنثوي مفرط ونادر، جمال يبدو كأنه جُلب خطأً من عالم آخر ووضع في هذا المستنقع.

 

كانت أحلام تجسيداً للرقة الفطرية.

 بشرتها بيضاء ناعمة بصفاء مرمري، لم تعرف يوماً خشونة العمل الشاق أو حرارة الشمس الحارقة.

 وجهها مستدير بملامح طفولية خجولة، يتوسطه أنف دقيق مرتفع قليلاً، وشفتان ممتلئتان طبيعياً بلون وردي قاني، تتحركان بـارتعاشه رقيقة كلما شعرت بالخوف أو الحرج.

 

أما عيناها، فقد كانتا المعجزة الحقيقية في وجهها؛ واسعتان، بلون رمادي صافٍ تتخلله خطوط فضية تلمع تحت الضوء الضئيل.

كانت رموشها سوداء طويلة وكثيفة، تظلل عينيها بمسحة من الحزن الدائم، وتمنحها نظرة انكسار تجعل كل من يراها يشعر برغبة عارمة في حمايتها.. أو تدميرها.

 

عندما خففت وشاحها القطني، انسدل شعرها الكستنائي الناعم والطويل كشلال من الحرير حتى أسفل ظهرها، عاكساً تموجات دافئة تكسر كآبة الجدران الإسمنتية.

كان جسدها يمر بمرحلة تفتح الأنوثة الكاملة؛ ورغم ثوبها الفضفاض البسيط، كان يتضح تناسق قوامها بخصر نحيل، وصدر ناهد مستدير يرتفع وينخفض مع أنفاسها المضطربة، وردفين ممتلئين بـرقة تمنح مشيتها اهتزازاً أنثوياً فطرياً يجذب الأنظار دون تعمد منها.

 

أمسكت أحلام بيديها النحيلتين الطويلتين، وتأملت أصابعها التي لم تعتد سوى على العزف على البيانو القديم أو مسك أقلام الرسم، والآن تضطر لجمع دفاترها من طين الشارع.

 تذكرت فجأة وجهي الفتاتين: سارة بنظرتها الباردة والمتفحصة التي شعرت أنها تخترق ملابسها، وياسمين بقوتها الخارقة وندوبها المرعبة التي تحولت إلى أمان مفاجئ عندما حميتها من البلطجي.

 

لم تكن أحلام تدري، وهي تنظر إلى جسدها في المرآة وتتنفس برعب من قادم الأيام، أن هذا النقاء الأنثوي الطاغي قد أصبح بالفعل هدفاً لـ “مخالب العتمة”، وأن سارة وياسمين قد بدأتا بالفعل في نسج خيوط طقوس عنيفة وشغوفة لاستحواذها بالكامل؛ طقوس لن تكتفي بامتلاك قلبها، بل ستتدافع لاستكشاف كل تفصيلة في هذا الجسد المرمرى لتطهير أرواحهما من درن السنين.