شباك الليل: الترتيب الأخير والوداع العذب

File 00000000fcfc720ab6c40bf1c571bb81 683x1024

شباك الليل: الترتيب الأخير والوداع العذب

لم يكن الليل في هذا الحي القاسي مجرد غياب للشمس، بل كان غطاءً مثالياً تنسج سارة تحت ظلاله مناوراتها الحذرة.

 كانت هندسة الجريمة تجري في دمائها؛ حيث عكفت طوال الأسابيع الماضية على دراسة منافذ ومداخل أحد أكبر محال المجوهرات في الشارع الرئيسي المحاذي للحارة، واختارت هذه الليلة بالذات ليلة الغواية والاعتراف المباغت لتكون موعداً لقطف الثمار وتحقيق القفزة الكبرى.

​تحركت الفتاتان داخل الصالة بخفة الحواة؛ بدأت ياسمين في فحص عتادها الصغير، متفقدةً الأدوات المعدنية الصلبة، والمفاتيح المصنعة، والأقنعة القماشية الداكنة التي دستها بعناية داخل تجاويف سترتها، بينما كانت سارة تراجع الخطوات الزمنية للعملية في عقها بدقة متناهية.

اقتربتا من الباب الخشبي الخارجي، والتفتتا إلى أحلام التي كانت تقف بهالتها الزهرية ورماد عينيها الساحر، ترقب مغادرتهما بنظرة ملؤها التوجس الطفولي.

​نظرت سارة إليها بملامح هادئة وأوصتها بنبرة حازمة ولكنها مغلفة بحنان زائف:

“أحلام، اقفلي الباب ورانا بالترباس كويس، وما تفتحيش لأي حد مهما كان.

 إحنا ورانا مصلحة مهمة وممكن نتأخر ، وما نرجعش إلا على وش الصبح.”

​أومأت أحلام برأسها، ولأن مشاعر الامتنان كانت تفيض من قعر قلبها المنكسر، لم تتمكن من كبح اندفاعها العاطفي نحو الفتاتين اللتين انتشلتاها من ضياع محقق. تقدمت بخطوات رشيقة، ورمت بجسدها الغض في أحضان سارة أولاً؛ طوقتها بذراعيها الناعمتين وطبعت قبلة دافئة على خدها الشاحب، ثم التفتت إلى ياسمين، واحتضنت قوامها الفارع ملقيةً برأسها على صدرها العريض، وقبلت وجنتها  بامتنان صادق، هامسةً بصوت تخنقه العبرات:

“ربنا يخليكم ليا.. أنا مش عارفة من غيركم كان ممكن يحصلي إيه.. شكراً على كل حاجة.”

​بعد أن أُغلق الباب الثقيل وخفتت أصوات أقدامهما ، أدارت أحلام المفتاح في القفل، وأنزلت المزلاج الحديدي كما أُمرت.

 أسندت ظهرها إلى الخشب البارد، وتنفست الصعداء وهي تنظر إلى أرجاء الشقة التي تحولت بفضلهما من وادٍ للوحشة إلى ملاذ آمن.

​سارت ببطء نحو غرفتها، والابتسامة الوردية لا تفارق شفتيها، بينما كان الحوار الداخلي يتدفق في عقلها الباطن بنقاء أثيري.

كانت تحدث نفسها بكلمات تفيض بالثقة والولاء:

“يا رب احميهم ورجعهم بالسلامة.. مفيش زي طيبتهم ولا رقتهم في الدنيا دي كلها.  هما معايا أرق من النسمة.. وقفوا جنبي في عز كسرنتي وضياعي ، وعوضوني عن قسوة الدنيا واليأس اللي كنت عايشة فيه. أنا مدونة لهم بحياتي كلها.”

​لم تكن المسكينة تدرك أن هذا العطف المفرط ليس سوى الشباك الحريرية التي تُنسج حول عنقها، وأن تلك القبلات العذبة التي طبعتها على وجنتيهما لم تزد الذئاب إلا سُعاراً وشوقاً لافتراس عاج جسدها عند الفجر.

 

​على الجانب الآخر، وفي الأزقة الملتوية والمظلمة المؤدية إلى الهدف المنشود، كان الصمت يلف سارة وياسمين، لكنه كان صمتاً مشحوناً بذكراها.

 تخطت الفتاتان برك المياه الآسنة بـخطى سريعة ومتزنة، غير أن عقليهما كانا لا يزالان عالقين في ذلك الثوب الزهري وما ينكشف تحته.

​التفتت ياسمين نحو سارة، وضغطت على أسنانها بنبرة يمتزج فيها هوس الجريمة بـضِرام الشهوة المكبوتة، وقالت:

“أنا لسه حاسة بحرارة جسمها في حضني يا سارة.. البت دي مش طبيعية، البوسة بتاعتها لسه معلمة على وشي.. أكتر حاجة هبلتني فيها وعمت عيني هي الحتة الرخام اللي باينة من فخذها وهي قاعدة.. بياضها ينور الضلمة، ونعومتها خلتني عايزة أفرك اللحم ده كله بين إيديا وأسمع صوت نفسها وهي بتترجاني.”

​ابتسمت سارة ابتسامة خفيفة، برزت فيها خطوط وجهها الحادة تحت الضوء الشاحب لأعمدة الإنارة التالفة، وردت بنبرة تقطر استحواذاً بارداً وعميقاً:

“إنتي دايماً عينك على الغشم والعنف يا ياسمين.. أنا بقى اللي سحرني فيها وعزلني عن الدنيا هو لون عينيها الرمادي.. عينين فيها حزن وكسرة تخلّيكِي عايزة تملكي روحها قبل جسمها. وفتحة صدرها الواسعة مع الهزة الخفيفة بتاعة نفسها وهي مكسوفة.. دي لوحدها هندسة تانية خالص. البت دي ليلة انكسارها بين إيدينا هتكون بمليون ليلة.”

​تابعتا السير نحو محل المجوهرات، والأدرينالين يتدفق في عروقهما لسببين: اقتراب لحظة السطو على الثروة الكبرى، واقتراب موعد العودة لـاستباحة العصفورة التي تنتظرهما خلف الأبواب المغلقة.

على الجانب الآخر من المدينة الغارقة في وحلها، كان المشهد يفيض بـسُعارٍ من نوع آخر.

أمام الواجهة  السميكة لمتجر المجوهرات، وقفت سارة وياسمين كـظلين انشقّا عن جدار الليل.

كانت الأنفاس محبوسة، والوجوه مخفية وراء أقنعة داكنة لا يظهر منها سوى لمعان العيون المحمومة.

​لم تخلُ العملية من بعض العقبات المقلقة التي كادت أن تعصف بـالتخطيط البارد؛ إذ تفاجأت ياسمين بـقفل حديدي إضافي لم يكن مرصوداً في الحسبان، وجدار داخلي تطلب جهداً عضلياً مضاعفاً لـكسر مغاليقه دون إحداث جلبة تلفت انتباه دوريات الحراسة الليلية.

 انحنت ياسمين، وبـقسوة ساعديها المفتولين وضغط عظامها الصلبة، تمكنت من نزع الترس الحديدي بـنفس العنف الذي تشتهي ممارسته في خلوتها.

 وفي تلك الأثناء، كانت سارة تراقب العقارب بـبرودها الرياضي المعهود، تضبط الإيقاع الزمني لـحركة رفيقتها كـبندول ساعة جنائزية.

​تجاوزت الفتاتان العقبة الأخيرة بـرشاقة الذئاب، وانفتح أمامهما الكنز الموعود.

تحت ضوء كشاف يدوي صغير، التمع العسجد الخالص والألماس، ومالت الألوان بين بريق الذهب الأصفر الأخاذ ونقاء الفضة المصقولة.

بدأت أصابع ياسمين النحيلة، المليئة بـخدوش الأيام، في جرف القلائد والأساور الثمينة ودسّها داخل الحقائب الجلدية بـنهم وجشع تفجّر في صدرها، بينما كانت سارة تختار القطع النادرة ذات القيمة العالية بـنظرات ثاقبة لا تخطئ الثروة.

​.

​أُغلق سحاب الحقيبة الأخيرة بـحسم، وانسحبت الفتاتان من مسرح الجريمة بـذات الخفة الصامتة التي دخلتا بها، تاركتين خلفهما مكاناً نُهبت أحشاؤه بالكامل.

تنفستا الصعداء في زقاق معتم تفوح منه رائحة المطر والبارود، وكانت الحقائب الثقيلة بين أيديهما تمثل صك الغفران المالي الذي سينتشلهما من قاع الفقر إلى مصاف الثروة والرفاهية المطلقة.

​التفتت ياسمين نحو سارة، والمسامات تحت قناعها تنضح بـعرق الإثارة والظفر، وقالت بـصوت خافت ومبحوح يرتجف من أثر الأدرينالين:

“عملناها يا سارة.. الذهب معانا.. الفلوس دي تخلينا نأمر وننهي في البلد دي.”

​لمعت عينا سارة الشاحبتان بـبريق منتصر، غامض وبارد، وأومأت برأسها وهي تحكم قبضتها على الغنيمة، ثم ردت بنبرة خفيضة تقطر بـرغبة عارمة بدأت تلتفت الآن إلى الملاذ الأرضي:

“الذهب ده أمن مستقبلي ومستقبلك للأبد يا ياسمين.. المصلحة خلصت بنجاح.. ودلوقتي، مفيش قدامنا غير الشقة.. مفيش قدامنا غير العصفورة الرمادية اللي سايبينها نايمة في سريرنا.. يلا بينا، الليلة دي ليلتنا بكل تفاصيلها.”

​تحركت خطاهما بـسرعة جنونية نحو الحارة، والشهوة المكبوتة طوال ساعات السطو بدأت تتضاعف وتتحول إلى ضِرام يلتهم عقولهما؛ فالغنائم المادية أصبحت في حوزتهما، ولم يتبقَّ سوى غنيمة اللحم والعاج التي تنتظر وراء الباب الموصد.