Elementor #2110

في حضرة سمر

في الأيام التي تلت ذلك الغداء الأول، صار بيت سمر هو الملاذ الذي تهرب إليه ريم كلما شعرت بضيق الجدران في شقتها، أو كلما طاردتها أشباح الماضي في زوايا غرفتها.

هناك، خلف ذلك الباب المغلق، كان العالم يبدو مختلفاً تماماً؛ رائحة معطر خفيفة تداعب الحواس، موسيقى هادئة تنبعث من زاوية الصالون، وتلك الخصوصية الساحرة التي تفتقدها ريم وسط ضجيج إخوتها الصغار وصوت أمها المنشغلة دائماً.

كانت سمر تجلس على أريكتها الوثيرة، تسند رأسها بيدها وتراقب ريم وهي تتأمل بفضول بعض التحف الصغيرة الموزعة في أرجاء الصالون الأنيق.

 لم تكن نظرات سمر عادية في تلك اللحظات؛ كانت عيناها تلاحقان بصمت انحناءات جسد ريم، وتراقب حركاتها العفوية وهي تزيح خصلة متمردة من شعرها عن وجهها.

كانت سمر تشعر برغبةٍ مكتومة تجتاحها، رغبة تتجاوز حدود الجيرة والصداقة التقليدية.

 فأنوثة ريم الطاغية الممزوجة ببراءة عفوية وجرحٍ قديم لم يندمل بعد، كانت تستفز في سمر مشاعر حاولت طويلاً وأدها.

 كانت سمر، بسنها الذي يتجاوز الثلاثين بثلاث سنوات، تكبر ريم بثلاثة عشر عاماً كاملة؛ وهذا الفارق هو ما منحها تلك النظرة الثاقبة والقدرة على قراءة ما يدور في عقل ريم قبل أن تنطق به.

«تعالي يا ريم.. ليش واقفة بعيد؟ ارتاحي جنبي هون.» قالتها سمر بصوتٍ دافئ فيه بحة ناعمة، وهي تطبطب بيدها على المكان الخالي بجانبها على الأريكة.

اقتربت ريم وجلست، كانت تشعر بانجذابٍ غير مفهوم لهذه المرأة؛ كانت تعشق جرأتها في الكلام، وطريقتها في الضحك التي تجعل العالم يبدو أبسط.

لم تكن ريم تفهم تماماً سر هذا الدفء الذي يغمرها حين تكون قريبة منها، أو لماذا تبدو لمسات سمر “العابرة” لكتفها أو يدها أو فخذها أثناء الحديث وكأنها تترك أثراً كهربياً يسري في جسدها، مخلفاً وراءه قشعريرة لذيذة.

قالت سمر وهي تقترب من ريم قليلاً، متظاهرة بتفقد خصلات شعرها الفاحم:

«بتعرفي يا ريم.. شعرك بياخد العقل، لونه وسواده ونعومتو.. خسارة والله كان يضل ببيت أحمد وأمه اللي ما بيعرفوا شو يعني جمال.»

لامست أصابع سمر طرف رقبة ريم وهي تعيد خصلة شعر إلى الوراء.

 في تلك اللحظة، شعرت ريم ببرودة أصابع سمر الدافئة في آن واحد، ونظرت إلى عينيها لتجد فيهما نظرة غريبة؛ كانت ثقيلة، مركزة، وتحمل بريقاً غامضاً لم تعتده ريم من قبل. ارتبكت ريم، لكنها لم تبتعد، بل اكتفت بابتسامة خجولة وقالت بصوت خفيض:

«تسلمي يا سمر.. أنتِ الوحيدة اللي عم تحسسيني بجمالي و بترفعلي معنوياتي.»

ضحكت سمر ضحكة قصيرة رنّت في أرجاء الغرفة، وفي عينيها لمعة رغبة حاولت مواراتها بسرعة خلف قناع المرح:

«ولك أنتِ مو بس حلوة، أنتِ بتطيّري العقل.. انتي كلشي فيكي بيجنن، انا مفتونه بجمالك يا ريم.»

ساد صمت قصير ومحمل بالتوتر، كانت المسافة بينهما قد تقلصت بشكل ملحوظ، وريم بدأت تشعر بأن دقات قلبها تتسارع دون سبب منطقي واضح.

 وقبل أن يزداد الارتباك، التفتت سمر نحو طاولة جانبية، وأمسكت بظرفٍ ورقي أنيق، ثم قالت لتكسر حدة اللحظة:

«إي صح ريم، تذكرت.. وأنا عم أفتل بالسوق اليوم، شفت هالشال وحسيت لونه رح يطلع تحفه عليكي.. والقطع التانية لرامي ورغد، بعرف قديش بيحبوا الألعاب، ما هان عليي جيب لريم وانسى الصغار.»

وقفت ريم بذهول وهي تفتح الهدايا؛ لم تكن هذه المرة الأولى، فمنذ أيام وسمر لا تفوت فرصة إلا وتغدق عليها وعلى عائلتها بكل أنواع العطاء.

 مرة فستاناً لأمها، ومرة حقيبة يد لريم، والآن ألعاب للصغار.

قالت ريم بحرج حقيقي:

«سمر.. والله العظيم هيك كتير! خجلتيني من كرمك، ما عم نلحق نردلك أفضالك، وماما والله عم تستحي من كتر ما عم تجيبي غراض للبيت.»

اقتربت سمر بخطوات واثقة، ووقفت قبالة ريم تماماً، لدرجة أن ريم استنشقت عطر سمر القوي وشعرت بدفء أنفاسها.

وضعت سمر يدها على كتف ريم وضغطت عليه بخفة، وقالت بنبرة منخفضة مفعمة بالثقة، نبرة المرأة التي تعرف كيف تحتوي من هي أصغر منها سناً وخبرة:

«لا تقولي هيك بنوب.. أنا ما عندي أخوات، وحسيتكم صرتوا عيلتي اللي بعوضوني عن الوحدة. وبعدين المصاري بتروح وبتجي، بس القعدة معك والضحكة اللي بتطلع من قلبي وأنا جنبك.. هي اللي ما بتتقدر بتمن يا ريم.»

كانت نظرة سمر في تلك اللحظة تخترق كل حواجز ريم؛ نظرة تملّك ناعمة، لامرأة ناضجة تعرف تماماً كيف تمد خيوطها حول قلب من تحب. أما ريم، فقد غمرها شعور هجين؛ امتنان عميق مشوب بارتباك لم تدرك معناه. وجدت في سمر “السند” الذي تفتقده، لكنها بدأت تشعر بداخلها أن هذه الجاذبية بدأت تأخذ منحىً أعمق من مجرد جيرة عادية، وكأن نضج سمر الثلاثيني (نسبة لفرق السن) بدأ يغوي حيرة ريم العشرينية.

تابعت سمر وهي تبتعد قليلاً لتعيد الأجواء لطبيعتها:

«يلا بلا كتر حكي.. خدي الغراض وفرحي الصغار، .»

خرجت ريم من شقة سمر وهي تحتضن الهدايا إلى صدرها، وقلبها يخفق بإيقاعٍ متسارع.

كانت تفكر بكلمات سمر الأخيرة.. أحست أنها بدأت تغرق في جاذبية هذه المرأة التي تمنحها كل هذا الاهتمام، وأن حياتها لم تعد تدور حول “أحمد” وماضيه، بل حول “سمر” وحاضرها المليء بالغموض والجمال.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *