في المصنع
استيقظ عصام مع شروق الشمس الأولى، شعاعٌ باهتٌ يتسلل من ستائر غرفته في الطابق العلوي.
كان الصمت الذي يلف الفيلا مختلفاً هذه المرة – ليس صمتاً حميماً، بل صمتاً مكهرباً بالتوتر الذي خلّفته كلمات الأمس القاسية.
نزل إلى الطابق السفلي، متوقعاً العزلة، ففوجئ برائحة القهوة الطازجة تفوح من المطبخ.
على طاولة المطبخ، كان فنجان القهوة المعدّ بإتقان ينتظره، بجانبه ورقة صغيرة مطوية.
فتح الورقة بتردد. خط أنيق لميرفت:
” الرقم اللي تحت هو رقم عمك في السعودية”.
تحت السطر، رقم هاتف مكتوب بخط واضح.
نظر حوله، لكن المطبخ كان خالياً.
سمع صوت إقفال الباب بلطف من اتجاه غرفتها في الطابق السفلي.
كانت قد أعدّت قهوته وتراجعت إلى غرفتها، مغلقة الباب على نفسها كحصن.
شرب قهوته وهو واقف عند النافذة، يتأمل حديقة الفيلا التي بدت شتوية وقاحلة. كلمة “حيوان” لا تزال تدور في رأسه، لكنها الآن اختلطت بتعبير الندم في عينيها حين اعتذرت، وببرودة رفضه لها.
كان يشعر بتناقض غريب – غضب ممزوج بشعور غريب بالمسؤولية.
قرر عصام أن يقضي اليوم كاملاً في المصنع، لأول مرة منذ وصوله.
في الأيام السابقة، كان يزوره ساعتين فقط يومياً، يتجول كزائر غريب.
لكن اليوم كان مختلفاً.
وصل المصنع الثامنة صباحاً، متجاوزاً مكتبه المكيف ليتوجه مباشرة إلى أقسام الإنتاج.
كان المدير العام – الذي كان يدير الأمور منذ وفاة والده – ينتظره بقلق واضح.
“صباح الخير يا أستاذ عصام.”
“صباح النور، ياسين. بدنا نبدأ جولة في كل الأقسام.”
“طبعاً، بس ممكن نبدأ بمكتب المحاسبة الأول؟ فيه بعض التقارير–”
“لا، بدنا نبدأ من أسفل. من العمال.”
صمت ياسين مندهشاً، ثم تبعه بخوف.
قضى عصام الساعات التالية ينتقل بين الأقسام: خلط العطور، التعبئة، التغليف، المستودعات.
تحدث مع كل مشرف، سأل عن الصعوبات، استمع أكثر مما تكلم.
لكن الأهم كان لقاءاته مع العمال.
جلس معهم في أوقات الاستراحة، شرب معهم الشاي، سأل عن أحوالهم، عن أبنائهم، عن مشاكل العمل. في البداية، كانوا يحجمون، يردون بإجابات قصيرة وحذرة، لكن مع استمرار وجوده بينهم، بدأ الجليد يذوب.
لاحظ عصام شيئاً مهماً، وإن كان غير مباشر: حين يذكرون والده، تسود لحظة من الصعب وصفها – ليس حزناً، ولا حتى احتراماً، بل نوعاً من الانقباض. تحدث أحد العمال القدامى عن “أيام زمان” بتقنية أقل لكن “نفسٍ أهون”، وكأنه يلمح دون أن يقول.
في قسم التعبئة، سألته عاملة في الأربعينيات عن إجازة ابنها المريض التي كانت قد طلبتها منذ أسبوعين ولم تحصل على رد.
بحث عصام في الأمر فاكتشف أن طلبات الإجازات كانت تتراكم على مكتب والده لأيام وأسابيع، وكان ينساها أو يتعمد تأجيلها.
“من اليوم، أي طلب إجازة يوافق عليه المشرف المباشر يوافق عليه مكتبي خلال 24 ساعة.”
أعلن عصام أمام الجميع.
لم تكن الابتسامات التي رسمت على وجوه العمال مجرد امتنان، بل كانت شيئاً أعمق: كان ذلك أول بذرتين من الألفة تُزرعان في تربة قاحلة من الخوف والريبة.