(الرسالة)
كان مكتب المحامي هادئًا على نحوٍ خانق.
جدران مكسوّة بالخشب، رائحة أوراق قديمة، وصوت ساعة حائط يقطع الصمت بانتظامٍ بارد.
جلس عصام مقابل المكتب، يضمّ يديه دون أن يشعر.
لم يكن يعرف لماذا يشعر بأن هذه اللحظة أخطر من الجنازة نفسها.
فتح المحامي درجًا جانبيًا، وأخرج مظروفًا سميكًا بلونٍ عاجيّ، عليه اسم عصام بخطٍّ ثقيل متوتر.
قال بهدوءٍ مهني: «والدك… ترك لك هذه الرسالة. طلب ألا تُفتح إلا بحضورك.»
مدّ عصام يده وتناول المظروف.
كان الورق داخله أكثر من صفحة.
تردّد لحظة، ثم بدأ القراءة.
عصام،
إن كنت تقرأ هذه الكلمات، فهذا يعني أنني فشلت في قولها لك حيًّا.
لا أعرف إن كان ذلك خوفًا، أو كبرياء، أو لعنة ورثتُها عن أبي… لكنني أعرف أنني أخطأت في حقّك.
توقّف عصام لحظة.
لم يتذكّر أن والده خاطبه باسمه يومًا.
كتبتُ جميع ممتلكاتي باسمك قبل موتي.
المصنع، الفيلا، الحسابات… كلّها لك، دون شريك، ودون وصاية.
لم أكتب شيئًا باسم ميرفت.
ليس قسوة، بل يقين.
شدّ عصام أنفاسه دون أن يشعر.
عشتُ سنواتٍ أشكّ في إخلاصها لي.
لم أجد دليلًا قاطعًا، لكن الشك حين يستقرّ، يصبح حقيقةً في ذهن صاحبه.
أما مريم… فلم أكتب لها شيئًا، لأنني لا أؤمن بأنها ابنتي.
أعتقد أن ميرفت أنجبتها من رجلٍ آخر، وخدعتني كما خدعتُ نفسي.
ارتجفت الصفحة قليلًا بين أصابعه.
قد أكون مخطئًا.
بل ربما كنتُ مخطئًا في كل شيء.
لذلك أترك لك الحرية الكاملة.
حرية أن تتحقّق من شكوكي، أو أن تكذّبها.
حرية أن تُنصف مَن ترى أنه يستحق، أو أن تُدير ظهرك للجميع.
ما تركته لك ليس المال فقط… بل القرار.
ساد صمت ثقيل في المكتب.
أكتب لك هذا كمحاولة أخيرة للتكفير عن هجري لك طوال تلك السنوات.
لم أكن أبًا، وأعرف ذلك.
افعل بما ورثتَ ما تشاء.
عمر
أنزل عصام الرسالة ببطء.
لم يشعر بالانتصار، ولا بالارتياح.
شعر فقط أن عبئًا وُضع في يديه دون أن يُسأل إن كان قادرًا على حمله.
قال المحامي بصوتٍ خافت: «من الناحية القانونية… كل ما ذُكر هنا موثّق.
لا يوجد أي نصيب لزوجته أو لابنته.»
نهض عصام.
كان يعرف الآن لماذا بدا اسم والده في البيت كأنه تهمة، لا ذكرى.
ولماذا كان الصمت هناك أثقل من الكلام.
خرج من المكتب وهو يدرك شيئًا واحدًا فقط: أن ما تركه له والده لم يكن ميراثًا… بل فتيلًا مشتعلاً.
هو لم يعد مجرد ابن… وأسرار البيت لم تعد مجرد ظنون.
.
.
منذ عودته من عند المحامي، لم يعد عصام كما كان.
لم يتغيّر صوته، ولا طريقته في الكلام، لكن شيئًا ما في وقفته صار أكثر ثباتًا.
كأنه لم يعد ضيفًا في البيت، ولا ابنًا عابرًا… بل صاحب المكان، وصاحب القرار.
وقد شعرت ميرفت بذلك، حتى قبل أن تفهم سببه.
صار وجوده في الصالة أطول.
جلوسه أقرب.
وصمته أقلّ حيادًا.
لم يكن يقترب بخطوات واضحة، بل بنزع المسافة.
يختار الكرسي المواجه لها بدل البعيد، يقف حين تمرّ دون أن يبتعد، يترك المجال مفتوحًا لنظرة قد تطول ثوانٍ أكثر مما ينبغي، ولا يبالي إن كانت ستلاحظ تلك النظرات، بل على العكس.
والأهم… أنه لم يعد يشيح ببصره بسرعة.