بيت بلا شهود

Ca5417870c828a87b4763f57614a00da 796x1024

بيت بلا شهود

بعد أيام العزاء، خفّت الحركة في البيت.

 غادر الأقارب، وساد صمت طويل. أصبح عصام وميرفت يعيشان وحدهما، لكلٍ منهما حزنه، ولكلٍ منهما طريقته في التعامل معه.

 كانت ميرفت تستيقظ باكرًا، تُعدّ القهوة، وترتّب البيت بهدوء.

 لم تكن تتكلّف في مظهرها، ومع ذلك كان حضورها لافتًا.

 شعرها منسدل غالبًا، ملابسها بسيطة، لكن كل حركة منها تحمل أنوثة طبيعية غير مقصودة.

عصام، الذي لم يعتد العيش مع امرأة غير أمه، وجد نفسه يلاحظ تفاصيل صغيرة: طريقة مشيها، نبرة صوتها حين تناديه باسمه، ابتسامتها الخفيفة عندما يشكرها.

 لم يكن يقصد، لكنه كان يلاحظ.

 في بعض الأمسيات، كانا يجلسان في الصالة.

 المسافة بينهما ثابتة، لكنها ليست بعيدة.

 أحيانًا تتلاقى نظراتهما، ثم يشيح أحدهما بنظره بسرعة، كأن كلاهما انتبه إلى شيء لا يريد الاعتراف به.


مرّت الأيام بهدوء، متشابهة، حتى صار وجودهما معًا أمرًا لا يلفت الانتباه.

 كان البيت يستيقظ وينام على الإيقاع نفسه، ومع كل يومٍ جديد كان القرب يبدو أسهل، وأقل إثارة للأسئلة.

 بدأ عصام يقترب دون أن يعلن ذلك.

 لا خطوة واضحة، ولا كلمة زائدة.

 فقط يختار مقعدًا أقرب مما اعتاد، أو يجلس في زاوية تتيح له أن يرى قوامها المثير.

 كان يظن أن انشغالها اليومي سيحجب عنها ملاحظته، وأن نظره العابر لن يُقرأ كما هو.

كان يتأملها حين تتحرك في البيت، لا بتحديقٍ فاضح، بل بنظرات قصيرة تتكرر.

 طريقة وقوفها، انحناءة كتفيها الخفيفة، نحول خصرها، بروز صدرها، وانسدال شعرها فوق كتفيها كالحرير، سمرة بشرتها الخفيفة وجمال عينيها حين تتحدث معه وتنظر إلى عينيه، سكونها حين تصغي.

 كان يشعر أن هذه التفاصيل تفرض نفسها عليه دون إذن.

ميرفت، من جهتها، كانت تشعر بكل ذلك.

 لم تكن تلتفت مباشرة، لكنها كانت تعرف متى يطول صمته، ومتى يثبت مكانه أكثر من اللازم.

كانت تحاول أن تتصرف كالمعتاد، أن تواصل ما بيدها، لكن نبضها كان يسبقها خصوصًا حين كان يقف بالقرب منها ويسألها عن أي شيء، فقد كانت تلتفت إليه فتواجه عيناها صدره نظرًا لطول قامته، فتُطرِق رأسها، فتلتقي عيناها بعينيه، فتتسارع نبضات قلبها دون أن تدرك منها سبب ذلك.