الجنازة

Ca5417870c828a87b4763f57614a00da 796x1024

الجنازة

في الجنازة، وقف عصام أمام جسد والده دون أن يشعر أنه يقف أمام شخصٍ عرفه يومًا. لم يكن اللقاء الأول، لكنه كان اللقاء الأثقل.

 رأى ملامح يعرفها من الصور، لكنها بدت مختلفة وهي بلا حياة.

 حاول أن يستدعي حزنًا واضحًا، ذكرى واحدة، أي شعور يُشبه الفقد… لكنه لم يجد سوى فراغٍ بارد.

بعد الدفن، لاحظ توترًا واضحًا في تصرّفات ميرفت.

 كانت شاردة، متوترة، وكأنها تخشى حديث الناس أكثر من حزنها على زوجها. لم تكن مريم في البيت.

 قبل وفاة الأب بأسابيع، كانت قد انتقلت للإقامة عند عمها في السعودية، في بيت أشبه بالسجن، هناك حيث أرسلها والدها طالبًا من عمه أن يزوجها من أول شخص يتقدم لها.

في إحدى الليالي، جلس عصام مع ميرفت في الصالة. سألها أخيرًا:
– كيف مات أبي؟
ترددت، ثم قالت: «انتحر.»
قالتها وكأنها تخشى الكلمة.

 أضافت بسرعة: «كان يمرّ بظروف صعبة… شكوك… ضغط…» ثم صمتت.

 لم تسرد التفاصيل، ولم تذكر السبب الحقيقي. لكن عصام أدرك أن الأمر أعقد مما قيل له.

بدأ الحديث عن حصر الإرث.

 أوراق، محامٍ، تواريخ، وأسماء. كان عصام يسمع أكثر مما يتكلم.

 شعر أن مجيئه لم يكن فقط من أجل الجنازة، بل من أجل شيء آخر لم يُقال له بعد.

 في تلك الليلة، عاد عصام إلى غرفته وهو يفكر: لماذا لم تُذكر التفاصيل؟ ولماذا يشعر أن اسم أبيه يُقال في البيت وكأنه تهمة؟ أدرك، دون أن يمتلك دليلًا، أن موته لم يكن نهاية القصة… بل بدايتها.