الرجل الذي كأنه الأب
لم يعرف عصام والده عن قرب، لكن صورة الرجل بدأت تتكوّن من الشهادات المتناثرة حوله.
كان صاحب مصنع عطور ورثه عن أبيه، ولم يأتِ النجاح إليه باللين، بل بالصرامة والشك.
كان يشكّ في كل شيء: في نيات العاملين لديه، في كلماتهم، وحتى في صمتهم. يراقب التفاصيل الصغيرة، ويُفسّرها دائمًا ضد أصحابها.
في المصنع، كان حضوره ثقيلًا؛ يُبدِّل الموظفين بسرعة، ويُكثر من الاتهام، ويُمسك بالخيوط كلها بيدٍ واحدة، كأنه لا يثق بأن شيئًا يمكن أن يسير من دونه.
وفي البيت، لم يكن مختلفًا كثيرًا.
قسوته لم تكن صراخًا دائمًا، بل برودًا حادًا ونظراتٍ مُحاكِمة.
كان يشكّ في زوجته أكثر مما يحبّها، ويُحمّلها صمته وأسئلته غير المنطوقة.
عاشت ميرفت في ظله حذِرة، تُراجع كلماتها، وتُخفّف خطواتها، كأن البيت نفسه لا يحتمل الخطأ.
مع الوقت، صار الشك عادةً، ثم صار عبئًا.
ابتعد الناس عنه، لا لأنهم أخطأوا، بل لأن القرب منه كان مُرهقًا.
وحين تكدّست الشكوك في رأسه، ولم يعد يجد من يُطمئنه أو يُكذّبه، انقلبت عليه.
لم يكن انتحاره فعل شجاعة ولا هروبًا مفاجئًا؛ كان نهاية رجلٍ أنهكه الارتياب، وأغلق على نفسه الدائرة حتى لم يرَ مخرجًا.
رجلٌ لم يكن محبوبًا، لأن الخوف كان دائمًا أقرب إليه من الثقة، إلى درجة وصلت به إلى أن يتهم زوجته بأنها أنجبت ابنتها من رجل غيره.