هدنة العصفورة: دلال الصباح ونذير ليل لاهب
تابعت أحلام بـنظراتها الرمادية الواسعة تفاصيل تلك القبلة العميقة والشرسة التي جمعت بين سارة وياسمين وسط الصالة، وشعرت بـخلطة غريبة من الدهشة والارتياح الفطري لـقوة الرابطة التي تجمع بين هاتين المرأتين اللتين تحكمتا بـمسار حياتها.
وبـذكاء أنثوي هادئ ونقاء طوعي، قررت الفتاة البكر مباعدة جسدها لـتمنحهما مساحة أرحب للاختلاء والحديث عن أسرار الغزو المالي دون أن تشكل عبئاً على حساباتهما؛
فتحركت بـخطوات مرنة، وقالت بـنبرة عذبة وصوت دافئ:
”حقوم أعمل لؤمة ناكلها…”
سارت أحلام بـتؤدة باتجاه المطبخ الفسيح، مفسحةً المجال بالكامل لـلفتاتين؛
وما إن اختفت خلف جباب المطبخ، حتى جلست سارة وياسمين بجانب بعضهما فوق الأريكة المخملية الوثيرة، متلاصقتين بـفخذيهما.
التفتت سارة بـكامل وجهها الشاحب وعينيها الواسعتين اللتين نضحتا بـبقايا السُّعار والقلق العصبي، ونطقت بـنبرة حادة، منخفضة ولكنها تقطر غيظاً شوارعيّاً حارقاً امتازت به في لحظات الخوف على حليفتها:
“أنا حاولت أتصل عليكي ألف مرة… شغلتيني عليكي يا متناكة، المشوار ما كانش يستاهل كل الغياب ده”.
وضعت ياسمين كفها العريضة الداكنة فوق ركبة سارة لـتهدئة ثورانها، وأطلقت زفيراً لاهباً مفعماً بـغبار الأزقة:
“معلش يا سارة… أنا فوني كان قاطع شحن خالص، عشان كنت نسيت أشنحو مبارح في الليل من كتر اللغوصة اللي كنا فيها”.
ضيقت سارة عينيها بـتركيز مجهري، وسألتها بـنبرة عملية قاطعة تخلو من المواربة: “طب طمنيني… إيه اللي حصل معاكي هناك بالظبط، واتأخرتي كده ليه؟ . عدلت ياسمين من جلستها الرياضية المفتولة، واستدعت تفاصيل المواجهة الصامتة التي خاضتها تحت ظلال العشوائيات الملوثة، وأجابت بـبحتها الشرسة:
“ما فيش يا سارة… بس وأنا بلف بجمع الفلوس والنسب من العيال، شميت ريحة غدر واضحة، وحسيت بـكمين بيتنصبلي في نهاية الشارع الوراني. فبعد ما لميت فلوسنا كلها . خدت حتة متدارية ضلمة فوق السطوح بتاع شقة البنت رنيم الشرموطة، فضلت كاتمة نفسي فيها شوية لحد ما الرجل خفت في الشارع؛ وبعد كدة بدأت أتنقل من سطوح لسطوح، ومن بلكونة لبلكونة ، لحد ما وصلت لـحتة أمان بعيدة عن عينيهم برة الدايرة خالص… ودا هو اللي أخرني وخلاني آخد وقت طويل “.
تنفس صدر سارة بـارتياح، وسألتها بـحسم هندسي وعين على الغنيمة:
“الفلوس كاملة؟”،
هزت ياسمين رأسها بـثقة شوارعية عاتية وهي تطبطب على جيب سترتها الممتلئ:
“مش ناقصين ولا مليم… “.
التفتت سارة نحو ممر المطبخ، ورفعت صوتها الرخيم الحاد لـيخترق صمت الصالة ويصل لـمسامع العصفورة:
“أحلام!”.
لم تمر ثوانٍ حتى مدت أحلام وجهها المستدير الصافي وخصلات شعرها المبعثرة من خلف باب المطبخ، وأجابت بـعفوية وعذوبة ملأت الفراغ:
“أيوه حبيبتي… عوزة حاجة؟”.
نظرت إليها سارة بـاهتمام عملي جديد، وسألتها بـتخطيط مستقبلي :
“بتعرفي تسوقي عربية؟”.
حركت أحلام رأسها بـإيجاب طفلي خجول:
“أيوة بعرف أسوق كويس … بس لسه ما طلعتش رخصة “. أومأت سارة برأسها بـرضا:
“مش مهم الرخصة تطلع.
ما إن اختفت أحلام مجدداً خلف جدران المطبخ لـتكمل إعداد اللقمة الساخنة، حتى انحنت ياسمين بـكامل جذعها نحو سارة، وخرج صوتها بـهمس خافت ومبحوح يقطر دهشةً وولعاً، مستغلةً غياب الفتاة لـتفكيك الشفرة العاطفية الجديدة التي طرأت على الأجواء منذ الصباح:
”سارة… أنتي ملاحظة إن أحلام من الصبح مش بتقول أسامينا خالص؟ مش بتقول غير يا حبيبتي، ويا عمري، ويا روحي… !”
التفتت سارة نحو شريكتها، وانقشعت أستار البرود الشاحب عن وجهها، وارتسمت على ثغرها الممتلئ ابتسامة عريضة، لاهبة وناصعة، عكست مدى تغلغل العصفورة البيضاء في مسامات كبريائها؛ وأجابت بـهمس متواطئ يفيض بـالانتصار والولع: “أيوة ملاحظة يا ياسمين…الأسامي تاهت منها جوة حضننا خلاص”..
.
.
.
.
.
.
اجتمعت الفتيات الثلاث حول طاولة المطبخ الخشبية الكبيرة، حيث ساد الدفء أرجاء المكان بعد أن أبلغتهن أحلام بـعذوبة أن العشاء صار جاهزاً فوق المائدة.
بدأن تناول الطعام في أجواء من الألفة والانسجام الفطري، .
وما إن انتهين من تناول الطعام، حتى همت سارة وياسمين بـجمع الأطباق وغسلها بـتعاون متناغم، بينما انشغلت أحلام بـتجهيز الشاي الساخن؛
وما إن انتهتا من تنظيف المكان، حتى كان البخار المتصاعد من الأكواب يعلن جاهزية الجلسة في الصالة الوثيرة.
جلست الفتيات الثلاث في الصالة يتناولن الشاي في جوٍ طبعته السكينة والهدوء المطبق.
لفت الجلسة مسحة من الراحة المنزلية التي افتقدها هذا الحصن من قبل؛
غير أن هذا السكون لم يدم طويلاً، وتحول فجأة إلى مفاجأة طريفة بددت برود المكان.
حين رفعت سارة كوبها النحيل المصقول ورشفت منه رشتفتها الأولى، تغيرت ملامح وجهها الشاحب بـشكل مباغت ودراماتيكي؛
وضعت يدها بسرعة فوق فمها لحبس السائل المالح، وهي تنظر بـأعين متسعة ومشدوهة نحو أحلام.
انتبهت أحلام للأمر، فأشارت بـإصبعها الرقيق إلى كأس الشاي الذي أعادته سارة بـسرعة غريبة إلى مكانه فوق الطاولة، وقالت بـنبرة متفاجئة ومستدركة للخطأ غير المقصود:
“ملح.. صح؟ دا ملح!”.
أومأت سارة برأسها بـعجز كامل، غير قادرة على النطق أو الكلام من شدة الملوحة اللاسعة التي ضربت لسانها؛
وفي تلك اللحظة، انهارت ياسمين بالكامل من الضحك بـصوتها الشوارعي الأجش، تبعها ضحك أحلام العالي. كانت الضحكات عفوية، نابعة من أعماق القلب، بسبب الملامح الطريفة والجامدة التي ارتسمت على وجه سارة الملكي الصارم الذي نادراً ما يهتز.
ما إن أنهت الفتاتان نوبة ضحكهما الصاخبة، حتى رفعت سارة يدها عن فمها، وتلاشت ملامح الصدمة لتحل محلها نظرة ولع وشغف غامق وهي تحدق بـتركيز في وجه أحلام الرقيق؛
وقالت بـنبرة دافئة تجاوزت بها الحادثة:
“لا.. سيبك أنتي من الملح والكلام الفاضي ده.. أنتي ضحكتك حكاية يا بنت! أنتي كنتي مخبية الضحكة دي فين؟”. واسترسلت في غزلها الصريح بـأنفاس متهدجة قبل أن تمنح أحلام فرصة للرد:
”أنا نفسي ألاقي فيكي حاجة واحدة بس مش جميلة… أنتي عارفة؟ أنا مستعدة من هنا ورايح ما أشربش الشاي غير بملح بس، عشان أشوف ضحكتك دي كل يوم.”
أطرقت أحلام رأسها نحو الأسفل بـخجل فطري عارم، وقد احمرت وجنتاها بـحمرة قانية؛
قبل أن ترفع عينيها الرماديتين الواسعتين وتنظر إلى سارة قائلة بـصدق يقطر شجناً:
“أنا بقالي كتير أوي ما ضحكتش الضحكة دي والله يا سارة… “. أجابتها سارة بـحنان قاطع ونبرة واثقة صاغت بها عهداً جديداً:
“من هنا ورايح إن شاء الله، حياتك كلها هتكون ضحك وسعادة “.
ارتسمت على ثغر أحلام ابتسامة امتنان صافية صهرت ما تبقى من رواسب الماضي.
تحركت ياسمين بـجسدها المفتول، ومطت ذراعيها بـتعب بادٍ وهي تقول بـبحة مهدودة:
“يا جماعة أنا حاسة إن جسمي متكسر تكسير من لفة الحارة.. هطلع آخد دش ع السريع وأخش أنام”. نهضت سارة على أثرها وهي توافقها الرغبة في الانعتاق من سهر الأيام الماضية:
“وأنا كمان بقالي مدة ما نمتش زي الناس، وحاسة إن جسمي محتاج نوم كتير”.
التفتت سارة نحو احلام وسألتها:
“أنتي مش هتنامي يا أحلام؟”.
أجابت أحلام وهي تتحرك بـخفة:
“لا.. اطلعوا أنتوا ريحوا عشان صاحيين بدري، وأنا هغسل الكوبايات وأخش أريح في الجاكوزي شوية، وأول ما انعس هطلع على طول”. فـردت سارة وياسمين بـصوت دافئ:
“تصبحي على خير يا حبيبتي”.
ابتعدت الفتاتان بضعة خطوات باتجاه السلالم وقبل أن تخترقا عتمة الممر، استدارت أحلام وهي تجمع الأكواب الفارغة عن الطاولة، وقالت بـنبرة دلالية طفولية تفيض بـالشغف المستجد:
“يعني.. ما فيش بوسة؟”.
ضحكت الفتاتان بـعذوبة أمام هذا التودد الطوعي، وعادتا إليها بـخطوات سريعة؛
وانحنتا معاً لـتقبل كل منهما أحد خديها بـنقاء وشغف دافئ.
قالت سارة وهي تبتعد:
“تصبحي على خير يا حبيبتي”،
ردت احلام:
“وأنتي بخير يا عمري”.
ثم انحنت ياسمين بـبحتها العذبة:
“تصبحي على خير يا عصفورتي الجميلة”،
لـتجيبها أحلام بـانصياع كامل:
“وأنتي بخير يا قلبي”.
تركتاها في الصالة تجمع الأكواب بـقلب ينبض بـالآمان، متجهةً نحو جاكوزي المياه الدافئة لتستحم بـعطر العشق الجديد..
.
.
.
مرّ اليوم التالي بـخطوات هادئة ورتيبة، خلت من صخب الأحداث المفاجئة، لكنها امتلأت بـتأسيس جغرافيا العيش المشترك داخل الفيلا الفخمة.
انخرطت الفتيات الثلاث في توزيع المهام بـانسجام فطري؛ حيث تولت أحلام بـأصابعها الرقيقة مهمة إخراج زجاجات العطر الثمينة وعلب المكياج المصقولة من أغلفتها الورقية، لتنظمها بـدلال في مواضعها المناسبة أمام مرايا الغرف العلوية.
في المقابل، فرضت سارة سيادتها على المطبخ متوليةً أمر الطهي بـنفسها، بينما اختارت ياسمين بـقامتها الرياضية الخروج إلى الحديقة الخلفية لـتنظيم نباتاتها وتهذيب مساحاتها الخضراء.
ومع حلول المساء، تلاقت الأجساد الثلاثة في ورشة عمل جماعية، حيث تشاركن بـعفوية في مسح الغبار وتطهير الأرضيات الرخامية، محولاتٍ الفيلا الباردة إلى حصن دافئ يحمل بصماتهن.
لم يخلو النهار، بـكل تفاصيله الروتينية، من لغة الجسد المعتادة؛ فـتطايرت في الأثير كلمات الغزل المتبادلة، وتسللت بين الممرات لمسات خاطفة حارة، وقبلات سريعة على النحور العارية أثارت مكامن التوق المكبوت في عروق العصفورة البيضاء وحليفتيها.
”كانت تلك اللمسات النهارية العابرة، على اتقادها، مجرد قطرات شحيحة لا تذكر في بحر الحرارة الطاغية والسُّعار اللاهب الذي كان ينتظرهن خلف أستار الليل القادم…”