تداخل الأصابع واستدعاء إرث الحارة
تسللت خيوط شمس الظهر الدافئة عبر الستائر المخملية الثقيلة لفيلا الملاذ الجديد، كاشفةً عن نهار مغاير تماماً لـسُعار الليل الشتوي الفائت الذي شهد زلزال الحقيقة العذري وعودة الحيتان إلى رشدهما الإنساني. استيقظت أحلام من نومها العميق على وقع طرقات ناعمة، متتالية ورقيقة فوق خشب باب غرفتها، لم تحمل قسوة معارك الماضي أو ترهيب الحارة؛ وتبعتها حركة انسيابية مرنة لـدخول سارة وياسمين اللتين تقدمتا نحو الفراش الملكي الفسيح بملامح مسترخية ونظرات يملأها الود الصافي لتوقظانها من غفوتها.
انحنت ياسمين بقامتها الخمرية المفتولة نحو الفتاة المستلقية، وقالت بـبحة دافئة غابت عنها وحشية الليل:
”صباح الخير يا عصفورتي…”
فتحت أحلام عينيها الرماديتين الواسعتين ببطء، وتخلصت من بقايا الكسل وهي تمد ذراعيها الرقيقتين وتتمطمط فوق الملاءات الحريرية الفوضوية بـعفوية طفولية نضحت بالنقاء، ثم أجابت بـصوت ناعم ومبحوح: “صباح النور”. تقدمت سارة وجلست على حافة السرير بجانبها، وسألتها بنبرة هادئة يملأها الحنان الصادق:
“نمتي كويس يا حبيبتي؟”.
حركت أحلام رأسها بـإيجاب وهي تتلمس خصلات شعرها الكستناوي المبعثر:
“أيوة.. هي الساعة كام؟”.
ابتسمت سارة بـخفة وأجابتها وهي تزيح خصلة متمردة عن جبهتها الناصعة:
“دا إحنا بقينا الظهر خلاص.. يلا قومي عشان تغسلي وشك وتبدلي هدومك عشان هننزل كلنا نشوف لنا مكان نظيف نفطر فيه؛
لأن الثلاجة بتاعة الفيلا لسه ما فيهاش أي حاجة ولا حتى قزازة مية”.
أومأت أحلام برأسها بـانصياع عذب:
“طيب حاضر”، لتختم ياسمين الحوار الصباحي وهي تلتفت نحو الباب: “طيب إحنا مستنيينك تحت في الصالة يا عصفورة”.
لم تمضي أقل من نصف ساعة حتى كانت أحلام قد جهزت نفسها؛
فنزلت درجات السلم الرخامي للفيلا بـخطوات مرنة ووئيدة، متخليةً عن شيفون الليل الأبيض لـترتدي بنطال جينز أزرق ضيق يبرز مرونة خصرها، وقميصاً قطنياً رمادياً ناعماً.
جمعت شعرها الكستناوي الكثيف بـمشبك محكم خلف رقبتها الرقيقة، تاركةً خصلاته الطويلة المتموجة تنساب بـحرية ودلال كـشلال دافئ إلى أسفل ظهرها .
على الأريكة الجلدية الكبيرة المقابلة للسلالم، كانت ياسمين تجلس بـجسمها الرياضي، وتلاحق الفتاة الرشيقة بـعينيها الواسعتين بـشغف جارف وإعجاب أعمى منذ أن وضعت قدمها الصغيرة على أول درجة في الأعلى وحتى وصلت إليها.
لم تتردد أحلام؛ بل اقتربت من ياسمين بـثقة وعفوية، وانحنت نحو وجهها لتطبع قبلة دافئة ورقيقة على خدها الأسمر، فـقابلتها ياسمين بـابتسامة ناصعة عريضة نابعة من أعماق قلبها الشوكي الذي تروّض على يد هذه العصفورة البكر.
تحركت أحلام بـذات الخطوات نحو سارة الجالسة على الاريكة المقابلة، لـتطبع قبلة مماثلة مليئة بـالامتنان والحب على خد الأخرى الشاحب.
وقفت أحلام في المنتصف، وقالت بـحماس طفولي مبهج:
“أنا جاهزة.. يلا بينا؟”،
لـيجيبها صوت سارة وياسمين بـتلاحم وانسجام حسي في صوت واحد:
“يلا بينا”.
استقلت الفتيات الثلاث سيارة أجرة من أمام بوابة الفيلا الفخمة، واتجهن بـسرعة نحو وسط العاصمة الصاخب، حيث بدأت معالم المدينة الحديثة تتداخل مع ذكرياتهن القديمة.
بعد نزولهن من السيارة الأجرة وسط الشوارع العريضة والمحاطة بـالمباني الشاهقة، بدأت الفتيات في السير بـتؤدة بـحثاً عن مطعم راقٍ يقدم الوجبات الخفيفة والمعجنات لـسد جوع الظهر.
كانت سارة، بـذكائها المعهود وهيبتها القيادية، تسير في المنتصف بـفخر، وتحيط بها ياسمين عن شمالها وأحلام عن يمينها؛
غير أن أحلام قررت في هذه اللحظة إعلان انتمائها الكامل لـهذا الحصن الثنائي المشترك بـحركة مباغتة وعاطفية غير متوقعة.
استدارت أحلام بـحركة مرنة وسريعة من خلف ظهر سارة، لـتحشر جسدها النحيل في المنتصف تماماً بين الفتاتين، وقبل أن تستوعبا ما حدث، مدت يديها الصغيرتين الناعمتين لـتقبض بـإحكام وشغف؛
فأمسكت بـيد سارة عن يمينها، ويد ياسمين عن شمالها، وشبكت أصابعها الرفيعة بـأصابعهما.
ارتسمت على ثغر أحلام الوردي ابتسامة ناعمة، غامضة ومكتفية بـذاتها، دون أن تلتفت إلى الفتاتين اللتين نظرتا إليها في ذات الوقت بـنظرات يملأها الاستغراب الشديد والمباغتة، لكن سرعان ما تحول ذلك الاستغراب في عروقهما إلى دفء حارق صهر آخر معالم التردد وجعلهما يشددن القبض على كفيها الصغيرتين وسط الزحام.
بعد أن انتهين من تناول فطورهن الشهي في أجواء هادئة سادها الهمس والضحك العفوي، ركّزت سارة عينيها المتفحصتين على أحلام وبدأت في طرح خطة تحصين الفيلا وتأمين العيش؛ فقالت بنبرة عملية لا تخلو من الدلال:
”أحلام… ياسمين هتروح للحي القديم تجيب شوية حاجات إحنا سايبينها هناك؛
وأنا وأنتي هنلف مع بعض نجيب حاجات للفيلا عشان نملا الثلاجة والفريزر اللي فاضيين دول، ولو أنتي كمان محتاجة أي حاجات ليكي، هدوم أو مكياج أو أي حاجة لنفسك، نجيبهم بالمرة في طريقنا.”
فتحت سارة حقيبتها الجلدية الفخمة بـتروٍ، وأخرجت منها رزمة نقود ضخمة من فئة العملات الكبيرة، ومدت كفها لـتعطيها لـأحلام بالكامل، مستطردةً بـسخاء عارم:
“اشتري أي حاجة نفسك فيها وما تحرميش نفسك من حاجة، ولو الفلوس دي ما قضتش، حاديكي أكتر”. تراجع جسد أحلام بـخجل فطري واحمرت وجنتاها الناعمتان وهي ترفض النقود بـيدين مرتعشتين:
“لا.. أنا مش محتاجة حاجة والله العظيم، دا أنتو ما سبتوش حاجة في السوق إلا وجبتوها لي، “.
لكن سارة وياسمين تبادلتا نظرة حاسمة، وأصرتا بـقوة وإلحاح قاطع على أن تأخذ أحلام النقود،.
خلف هذا الحوار الصباحي الناعم والشراء العفوي، كانت هناك خطة إجرامية خطيرة واتفاق سري جرى بين سارة وياسمين منذ ساعات الصباح الأولى قبل إيقاظ أحلام؛ خطة تقضي بـضرورة سفر ياسمين بـمفردها إلى حيهما العشوائي القديم، زقاق الموت والفقر، لـهدف محدد وحاسم:
جمع نقود آخر كمية ضخمة من المواد المخدرة التي قامتا بـبيعها وتوزيعها على صبيان الحارة هناك قبل فرارهما الكبير.
رغم أن الفتاتين لا تزالان تحتفظان بـثروة كبيرة وكميات من المجوهرات والقلادات الذهبية المنهوبة داخل المخبأ ااسري في الفيلا الجديدة، ولم تَبِع سارة منها سوى جزء بسيط جداً لـتأمين النقد السائل، إلا أن طبيعتهما الشوارعية الإجرامية لم تكن لـتتقبل فكرة التنازل أو النسيان.
كان التخلي عن نقود تلك البضاعة الملوثة يُعد في عرف ياسمين وسارة بـمثابة إهانة بالغة، وضعف، وانكسار أمام حيتان السوق القديم وصبيان الحارة؛ فـالحيتان لا تترك خلفها فريسة أو حقاً ماديّاً مهما بلغت درجة ثرائها، وصيانة شرف المهنة الإجرامية تتطلب النزول إلى الوحل مجدداً لـتثبيت النفوذ وإثبات أن غيابهما عن الحارة لم يكن هروباً، بل هو إعادة تموضع لـسلطة لا تنام. تفرقت الطرق عند زاوية الشارع، فـانطلقت ياسمين نحو وكر الماضي المظلم، بينما سارت سارة وأحلام نحو أسواق الترف،.
.
.
أصدرت البوابة الحديدية الضخمة للفيلا فحيحاً مألوفاً وهي تنغلق وراء سارة وأحلام، اللتين عادتا من جولتهما الطويلة في أسواق العاصمة محمّلتين بـعشرات الأكياس الورقية والبلاستيكية الممتلئة؛
أكياس نضحت بـخضار طازجة، وفواكه شتوية ملونة، ولحوم حمراء منتقاة بـعناية، إلى جانب علب مصقولة تحوي ملابس إضافية وفساتين ناعمة اشترتها سارة لـنفسها ولـعصفورتها، دون أن تنسى نصيب ياسمين من الأقمشة القطنية المريحة التي تلائم جسدها المفتول، .
دلفتا إلى المطبخ الفسيح ذي التصميم الحديث، حيث وضعت سارة الأكياس دفعة واحدة فوق الطاولة الخشبية الكبيرة التي تتوسط المساحة، وبدأت تتولى بـأصابعها النحيلة مهمة إفراغ المحتويات بـتروٍ وهدوء؛
غير أن هذا المشهد الروتيني تحول في ثوانٍ إلى لحظة انصهار وجداني عميق تلاشت معها كبرياء الحيتان الباردة.
تحركت أحلام بـخطوات قطنية صامتة لم تثر انتباه سارة، واقتربت منها من الخلف بـدوافع عاطفية جياشة نمت في أعماقها إثر الأمان المباغت الذي تذوقته؛ ومدت ذراعيها الرقيقتين بـعفوية بالغة لـتلفهما حول خصر سارة الضيق، حاشرةً جسدها الغض خلف ظهر صديقتها، وأسندت خدها الناعم بـدفء تام إلى ظهر سارة المسترخي تحت قماش الفستان الشفاف.
وفي تلك اللحظة الفاصلة من التلاحم الجسدي والروحي، انفتحت حنجرة أحلام بـصوت مبحوح يقطر صدقاً ونقاءً عذريّاً، وقالت بـنبرة تفيض بـالشغف الجارف:
”بحبكو أوي يا سارة… أنتوا أجمل حد في الدنيا دي كلها.”
اخترقت كلمات الاعتراف الطفولي مسامات سارة، فـأحدثت في خلاياها النفسية اهتزازاً عنيفاً صهر آخر معاقل الجمود الذي صاغت به حياتها الإجرامية؛ وشعرت بـأن هذه الفتاة البكر لم تعد مجرد صيد أو طريدة للاستحواذ الحسي، بل غدت جزءاً لا يتجزأ من تكوينها العاطفي وحصناً روحياً يغسل أدران ماضيها الملوث.
توقفت أصابع سارة عن فرز الخضار، ووضعت كفيها الدافئتين بـحنان جارف فوق كفي أحلام الصغيرة المتشابكتين بـإحكام فوق محيط بطنها، وضغطت عليهما بـقوة تعكس رغبة التمسك بـهذا النقاء، ثم التفتت بـرأسها قليلاً إلى الخلف وأجابت بـهمس لاهب يقطر عشقاً:
“وإحنا كمان بنموت فيكي يا حبيبتي… أنتي بقيتي روحنا “.
بقيت أحلام مستسلمة لـتلك الوضعية الدافئة لـبرهة من الوقت، مستنشقةً عبير سارة وعطرها النفاذ ؛
قبل أن تسحب كفيها بـخجل وعذوبة لـتبدأ في مساعدة شريكتها بـشكل عملي، فـأخذت تلتقط علب اللحوم وزجاجات العصير وتضعها بـترتيب متناسق في رفوف الثلاجة والفريزر، محولةً الفراغ القديم لـلمطبخ إلى مساحة تنبض بـالحياة والطقوس العائلية المستقرة.
بعد الانتهاء من تنظيم الملاذ الصغير ووضع كل شيء في مكانه الصحيح، تبدلت الأجواء بـشكل تدريحي مع زحف ظلال اليل وتأخر خيوط النهار؛
إذ اتجهت سارة بـخطوات مضطربة نحو الصالة الواسعة، وجلست فوق الأريكة الجلدية الكبيرة، وقد بدا التوتر والقلق الشديدان عائمين فوق ملامح وجهها الشاحب وعينيها الواسعتين اللتين فقدتا هدوءهما المعتاد.
كان غياب ياسمين قد تجاوز الحدود الزمنية المتفق عليها بـكثير، مما جعل عقل سارة الرياضي يغلي بـسيناريوهات سوداوية عن غدر الحي القديم وبطش صبيان الحارة الذين لا يعرفون ديناً أو عهداً.
حاولت سارة الاتصال بـهاتف ياسمين المحمول أكثر من مرة، فـكانت تضغط على الشاشة بـأصابع مرتعشة وتضع الجهاز على أذنها بـترقب حارق؛
لكن دون جدوى، فـالخط كان يعطي دائماً خارج الخدمة أو مغلقاً.
رغم أنها كانت تحاول تسويغ الأمر لـعقلها بـأنها تعرف بـالفعل أن شبكات الاتصال ضعيفة جداً وتكاد تنعدم في بعض الأزقة الضيقة والمنخفضة للحارة القديمة، إلا أن غريزتها الإجرامية كانت تحذرها بـاستمرار من أن هناك خطراً ما يحاك في العتمة؛ فـياسمين بـسُعارها الشوارعي لا تغيب عن المرفأ طوال هذه الساعات دون سبب قاهر.
لم يفت أحلام بـحسها الأنثوي المرهف رصد هذا التحول البيولوجي والعصبي في جسد سارة؛ فالتقطت بـعينيها الرماديتين الواسعتين ارتعاشة شفتي صديقتها وحركاتها المتوترة فوق الأريكة.
اقتربت منها بـتؤدة، وجلست بـجانبها ملتصقة بـفخذها، ومدت كفها الصغيرة الناعمة لـتمسك بـيد سارة الباردة والمشدودة بـقوة، محاولةً ضخ بعض الدفء والسكينة في عروقها المقبوضة؛
وسألتها بـنبرة هادئة يملؤها الحنان والمشاركة الوجدانية:
”أنتي قلقانة على ياسمين؟”
التفتت سارة نحوها، وأطلقت زفيراً حارقاً ينم عن عمق الخوف المخبوء في أحشائها:
“أيوه… هي اتأخرت أوي يا أحلام، المشوار ما ياخدش كل الوقت ده، والحارة هناك الغدر فيها سهل”.
لم تجد أحلام كلمات فلسفية لـتهدئة هذا الحوت الثائر، بل لجأت لـلغة الجسد والعاطفة العفوية التي تملكها؛ فـانحنت نحو وجه سارة وطبعت قبلة دافئة، طويلة ورقيقة فوق خدها الشاحب، ثم زحفت بـرأسها لتضع خدها الرقيق بـنعومة فائقة على صدر سارة الممتلئ، مستمعة لـدقات قلبها المتسارعة بـعنف ووجل.
ضمت أحلام جسد سارة بـذراعيها، وقالت بـنبرة واثقة، قاطعة ويملؤها الحنان الصادق لـتطمين قلبها المنهك: “ما تقلقيش يا حبيبتي… ياسمين ما يتخافش عليها خالص، دي بـميت راجل وتقدر تحمي نفسها من الدنيا كلها، وهترجع لنا بالسلامة وتملى الفيلا بصوتها وشقاوتها تاني”.
سرت كلمات العصفورة كـالمسكن النظيف في عروق سارة، فـانحنت برأسها واحتضنت رأس أحلام بين ذراعيها، واضعة ذقنها الحاد فوق شعرها الكستناوي الكثيف، لينصهر القلق والشهوة والحب في بوتقة واحدة بـانتظار ما ستسفر عنه أسرار الليل القادم..
.
.
.
تحت ظلال اليل التي بدأت تزحف بـتؤدة فوق جدران الصالة الواسعة، مضت أقل من ساعة كاملة كانت بمثابة هدنة روحية صامتة تلاشت معها حدة التوتر الذي أصاب جسد سارة؛
إذ استسلمت بالكامل لـوجود العصفورة البيضاء في حضنها الفسيح.
كانت سارة تمد أصابعها النحيلة المصقولة لـتداعب خصلات شعر أحلام الكستناوي الكثيف، تارةً تخللها بين أناملها بـرفق يثير مكامن السكينة، وتارةً أخرى تنقل كفها الدافئة لـتلمس ووجنتها المحمرة بـنعومة، أو تمسح على ظهرها الرقيق بحركات انسيابية متتالية جعلت دقائق الانتظار الثقيلة تمضي أسرع وأخف على قلبها المحتقن بالقلق.
انحنت سارة بـرأسها قليلاً، وخرج صوتها الرخيم ناعماً كـهمس الليل:
”بحس وأنتي في حضني بـمشاعر جميلة… مشاعر حقيقية وصافية ما أعرفش أوصفها يا أحلام.”
لم تجب أحلام فوراً، بل استمر صمتها الفطري لـبرهة من الوقت وهي تستمع لـصدى الكلمات في أعماق خلاياها، ثم حركت جذعها بـليونة ورفعت وجهها المستدير الصافي لـتنظر مباشرةً وعميقاً في وجه سارة وعينيها الشاحبتين اللتين فاضتا بـالحنان؛
وقالت بـنبرة متهدجة تقطر صدقاً ونقاءً:
“بحس وأنا في حضنك بـدفى وحب وحنان… وأمان عمري ما عشته قبل كده”.
بقيت الفتاتان تحدقان بـأعين بعضهما لـلحظات طويلة تلاشت فيها الفواصل الهوائية وزمن الانتظار؛
وكان بقاء أحلام بـتلك الوضعية المستسلمة، ووجهها المرفوع وثغرها المنفرج ، بمثابة دعوة صريحة وعارية من الكبرياء لـسارة لكي تقبل شفتيها الورديتين المنتفختين.
اقتربت سارة بـشفتيها الممتلئتين اللامعتين بضع سنتيمترات قليلة، قليلاً فقط وبـبطء شديد يحبس الأنفاس، وكأنها في هذه المرة تخلت عن قسوتها الشوارعية وتنتظر الموافقة الضمنية أو التأكيد الحسي من الفتاة البكر رغبةً في صيانة ميثاق الحب الطوعي.
لم تشح أحلام بـنظرها الرمادي جانباً، ولم يتسلل الفزع إلى أوصالها؛
بل انتقلت بـنظراتها الذابلة بـتركيز بين شفتي سارة وعينيها بـتوق جارف.
كانت تقول في نفسها بـسُعار داخلي مكتوم: ( أيوة بوسيني يا سارة.. قربي كمان وبوسيني.. أنا محتاجة للبوسة دي ).
أما سارة، فكانت عيناها تلمعان بـشغف عاتٍ وهي تقول في سرها: ( عنيكي وشفايفك حيموتوني.. الجمال اللي فيهم بيحرقني).
اقتربت سارة بـالفعل، وطبعت فوق تلك الشفتين الغضتين قبلة هادئة، ناعمة ومتأججة بـالشغف المكتوم، امتصت بها رحيق الشفتين بـتروٍ؛
ثم انسحبت بـرأسها بضع سنتيمترات لـتعيد الاستمتاع بـالنظر إلى السحر الكامن في العينين الرماديتين الواسعتين.
لكن أحلام لم تمنحها الكثير من الوقت لـلتأمل؛
إذ أغمضت عينيها بـاستسلام كامل وهي تهمس بـجوع مستجد:
“بوسيني كمان…”؛
لـتنقض سارة مرة أخرى على تلك الشفتين بـقبلة عميقة، حارة وجائعة، واضعةً كفها العريضة خلف رأس أحلام لـتثبيته وضمان الالتحام الحسي الكامل.
لم يقطع تلك القبلة العميقة التي صهرت الوجود سوى ذلك الفحيح المنبعث من الخارج، صوت إغلاق البوابة الحديدية الضخمة للفيلا، يعلن عودة الضلع الثالث للحصن؛
فـانتفضت أحلام واقفةً بـحركة سريعة ارتبكت معها أنفاسها، بينما وقفت سارة بـهدوئها المعتاد وثقتها الراسخة وهي تصلح هندام قميصها.
وما إن فُتح باب الفيلا الداخلي ودلفت ياسمين بـقامتها المفتولة وعلامات التعب والغبار الشوارعي بادية على وجهها الأسمر، حتى ركضت أحلام نحوها بـحماس طفولي مبهج مثل الطفل الذي عثر على ملاذه، وارتمت بـكامل ثقلها وجسدها العاجي في أحضان ياسمين الدافئة وهي تصرخ بـوله:
“وحشتيني أوي…”.
رفعت أحلام نفسها على رؤوس أصابع قدميها الناعمتين، وقبلت خد ياسمين الأسمر بـشغف، وهي لا تزال محوطةً خصرها العريض بـكلتا يديها بـإحكام. نظرت إليها ياسمين بـعينين متجمرتين فاضتا بـالشوق، وأجابت بـبحتها الشرسة الدافئة:
“أنتي وحشتيني أكتر يا عصفورة ياسمين”.
لم تكتفِ ياسمين بـاستقبال القبلة؛ بل انحنت بـجسدها الرياضي قليلاً لـتبدأ هجوماً محموماً وسعريّاً من القبلات المتتالية فوق خدي أحلام وعنقها المرمري الطويل، وهي تردد بـأنفاس لاهبة:
“وحشتيني… بحبك… بحبك أوي”.
لم تقف الرغبة عند حدود التقبيل؛ بل وضعت ياسمين كفيها العريضتين القويتين تحت فخذي أحلام الرخاميتين ورفعتها بـسهولة إلى الأعلى، لـتتجاوب أحلام بـمرونة فطرية وتضع يديها خلف رقبة ياسمين وتلف قدميها الصافيتين حول فخذيها بـتلاحم كامل، وكأنها تقول لها بـجسدها المتشنج:
( أجل.. هذا ما أريده.. استبيحي براءتي بـقسوتك العذبة ).
سارت بها ياسمين بضع خطوات حاسمة داخل الصالة الواسعة، ولم تتوقف خلالها ثانية واحدة عن تقبيل ثغرها ونحرها بـجشع أعمى، حتى وصلت بها إلى الكنبة الوثيرة الكبيرة، حيث ألقتها هناك بـخفة ونعومة فوق الوسائد، لـتعتلي جسدها وتكمل هجوم القبلات ؛ متجاهلةً تماماً وجود سارة في ذات المساحة، أو ربما جرفتها لذة اللقاء وجنون الشوق فـأنستها حدود المكان والخطوط الحمراء.
لم يقطع ذلك الهجوم المحموم والطاغي الذي استباح هدوء الصالة سوى صوت سعال حاد، ومفتعل صدر من حنجرة سارة، التي كانت تقف على بعد خطوات قليلة، ضامةً يديها النحيلتين إلى صدرها بـكبرياء وهيبة قيادية لا تسمح بـتجاوز حضورها.
التفتت ياسمين بـرأسها وهي لا تزال جاثمة فوق جسد العصفورة المستسلمة، وخرجت كلماتها بـنفس لاهب واعتذار سريع:
“آسفة والله يا سارة… معلش البنت دي هتجنني وتطير البرج اللي فاضل في دماغي”.
قالت تلك العبارة وهي تنهض بـمرونة عضلية من فوق أحلام، وتسير بـخطوات واثقة ونظرات مشتعلة باتجاه سارة؛
وما إن تلاقت الأجساد القديمة حتى احتضنت سارة بـقوة، وغرقت الفتاتان معاً في قبلة عميقة، طويلة، وشرسة امتزج فيها ريق الحيتان بـلعاب الذكريات ، قبلة أعلنت عودة الشراكة الإجرامية والحسية لـقواعدها القديمة.
اعتدلت أحلام بجلستها فوق الكنبة بـملامح مذهولة وعينين رماديتين متسعتين بـدهشة عارمة؛
إذ كانت هذه هي المرة الأولى التي تراهما فيها بـتلك الوضعية الحميمية الصارخة والتلاحم الشفاهي العنيف، لـتستوعب الفتاة البكر بـعمق أن الملاذ الذي دخلته ليس مجرد حضن عابر، بل هو محراب ثنائي وثيق الصلة والشهوة، يتسع لـوجودها النقي دون أن يفقد هويته الشرسة.