زلزال الحقيقة وانهيار قلاع الغواية
ساد صمت مفاجئ ثقيل في أرجاء الغرفة الفخمة، تلاشت معه كل همسات الشهوة اللاهبة في أجزاء من الثانية، وكأن جداراً من الجليد قد انهار فجأة فوق مرجل الدماء الفائرة.
الغرفة التي كانت قبل لحظات ساحة لغزو جسدي مستعر، استعادت سكونها بـشكل مرعب؛
إذ تشنج جسد ياسمين الخمري وابتعدت برأسها عن ذلك المرفأ الأنثوي المبلول، وجلست في منتصف السرير الملكي بملامح مذهولة وشديدة الشحوب.
لم تفهم سارة سر هذه الانتفاضة المباغتة التي قطعت حبل الاستحواذ في ذروته؛ فأفلتت نهدي أحلام ببطء، ورفعت رأسها الشاحب وعيناها الواسعتان تحملقان بنظرات متفحصة نحو شريكتها.
“مالك يا ياسمين؟”
سألت سارة بنبرة حادة، منخفضة، يمتزج فيها الفضول بالانزعاج من هذا الانقطاع غير المبرر؛
وهي تنظر بـتركيز شديد إلى ياسمين التي تغيرت ملامح وجهها الشوارعية بالكامل، واستحالت قسوتها المعهودة إلى علامات من الصدمة والوجل الإنساني المخبوء.
التفتت ياسمين نحو سارة، وأطلقت زفيراً مبهوتا حارقاً وهي تحاول لملمة شتات عقلها المذهول، ثم نطق لسانها بـكلمات قليلة زلزلت أركان الغرفة المعزولة، وأعادت صياغة خطوط اللعبة:
“دي مش مفتوحة يا سارة… البت دي لسه بنوت “.
وقعت الكلمات على مسامع سارة كالصاعقة الجليدية التي جمدت الدم في عروقها؛
فالتفتت بـحركة مباغتة وصدمة عارمة نحو أحلام القابعة بين أحضانها، والتي كانت لا تزال مسندة جسدها العاري الى ظهر سارة.
والتي بدأت تستعيد أنفاسها المتهدجة ببطء، وقد ظهرت على ملامح وجهها الرقيقة والناعمة علامات واضحة من الحيرة وعدم الفهم المطلق لما يدور حولها ؛
كانت عيناها الرماديتين الدامعتين تتنقلان بذبول واضطراب بين نظرات سارة الحادة ووجه ياسمين الشاحب.
سألت سارة باستغراب شديد ونبرة مشدوهة، محاولةً التحقق من رواية الماضي التي بنيا عليها طقوس هذه الليلة:
“هو أنتي مش كنتي قلتي إن جوزك نام معاكي، وإنك مش بنت بنوت يا أحلام؟”.
انتقلت أحلام بنظراتها الخائفة المرتعشة بين ياسمين وسارة، وشعرت برغبة عارمة في البكاء أمام هذا الهجوم البصري المباغت؛
وحركت رأسها بـنفي قاطع وهي تجيب بنبرة مخنوقة بالدموع والفزع الفطري: “لا.. أنا مقلتش كدة والله العظيم! امتا أنا قلت الكلام ده؟”.
تحركت ياسمين نحو الأمام بـاندفاع طفيف، وضيقت عينيها الواسعتين وهي تحاول تذكير الفتاة الرقيقة بـجلسة الاستدراج القديمة في الحارة: “أنا مش كنت سألتك يا أحلام قبل كدة، إزاي جوزك قدر يصبر من غير ما ينام معاكي طول فترة الخطوبة، وأنتي قلتي إنه ما صبرش؟”.
ردت أحلام بـعفوية كاملة ونقاء طفولي لا يعرف الكذب و المراوغة:
“أيوه أنا قلت كدة.. بس أنا كان قصدي إن هو كان بيحضني ويبوسني من خدودي وكدة يعني.. بس ما حصلش ما بينا أكتر من كدة خالص، ولا عمره قرب من الحتة دي”.
بينما كانت أحلام تتحدث بـصوتها الواهن وتكشف عن براءتها الفطرية ، عاد شريط الذاكرة بـقوة وجنون إلى مخيلة ياسمين؛
وانمحت من عقلها صور اللذة العارية لـتحل محلها تلك اللحظات العصيبة من الليلة المظلمة السابقة.
تمثلت أمام عيني ياسمين صورة أحلام وهي ترتمي في أحضانها ، باكيةً، مرتجفةً بكامل جسدها العاجي الضائع، وامتزجت في مسمعيها تلك الكلمات المذعورة التي وصفت بها أحلام الشابين اللذين حاولا اغتصابها في عتمة البيت المهجور.
تلك الذكرى الأليمة أحدثت صحوة ضمير وعاطفة إنسانية حادة في أعماق ياسمين الشوارعية؛
فشعرت بـخجل باطني نادر من قسوة كفيها اللتين كادتا تعبثان بـجوهرة بكر ظنتها مستباحة من قبل.
اقتربت ياسمين من أحلام بـبطء تلاشت معه كل معالم السُّعار والشهوة، ومدت يدها العريضة لتضع باطن كفها الداكن على خد الفتاة المحمر بـلطف شديد وحنان فائق؛
ثم انحنت بقامتها المفتولة وقبلت خدها الآخر قبلة دافئة، نقية وخالية من أي غرض حسي، وانسحبت من الغرفة الفخمة بهدوء تام دون أن تنطق بأي كلمة أخرى، تاركةً خلفها عطر التراجع الإجرامي النبيل.
أما سارة، فقد بقيت جامدة تماماً في وضعيتها السابقة للحظات طويلة، وكأن صدمة الحقيقة قد شلت أطرافها النحيلة المصقولة؛
كانت تنظر إلى الفراغ بـذهول ، مستوعبةً حجم الجرم الحسي الذي كادتا ترتكبانه بحق فتاة لجأت إليهما بحثاً عن الأمان، . تحركت سارة بـمرونة لاهبة وهادئة، وأصلحت من وضعية الروب الشيفون الأبيض المتراكم عند خصر أحلام، ورفعته برفق لتغطي به صدر الفتاة العاري ونهديها الشامخين اللذين خمد اشتعالهما الوردي.
انحنت سارة نحو أذن أحلام، وبدأت تحدثها بـنبرة هادئة، رخيمة، يملأها الحنان الصادق والعاطفة الإنسانية التي تجاوزت حدود الاستحواذ المادي:
”أحلام… لازم تفهمي إن إحنا بنحبك بجد، ومستحيل نعمل أي حاجة تزعلك أو تكسر قلبك… وعشان نعمل معاكي اللي كنا عايزينه والي كان نفسنا نعمله، لازم يكون دا برغبتك أنتي وبـإرادتك الكاملة، مش غصب عنك ولا تحت تأثير خوف أو صدمة…”
تابعت سارة كلماتها بـتركيز شديد وهي تمسح بـأناملها بقايا الدموع عن وجنتي الفتاة المستسلمة:
“ولازم كمان ما يكنش اللي حصل أو اللي هيحصل رد جميل؛ لأن إحنا أساساً كل اللي عملناه معاكي، وحمايتنا ليكي ، عملناه عشان بنحبك وبس، ومش عشان نحملك أي جميل أو نخليكي تدفعي تمن الأمان”.
طبعت سارة قبلة رقيقة دافئة فوق خد أحلام الناعم، وهمست لها بـعذوبة صامتة:
“تصبحي على خير يا عمري…”؛
ثم انسحبت من خلف ظهرها الرقيق بكل هدوء ، لـتلحق بـشريكتها ياسمين إلى غرفة النوم المجاورة، تاركةً العصفورة البيضاء وحيدة في محرابها، تتدثر بـشيفونها الأبيض وتستمع لـأول مرة لـدقات قلبها التي نبضت بـالحب الحقيقي بعيداً عن قسوة الافتراس.
.
.
.
انغلق الباب الخشبي الثقيل خلف سارة بـنقرة خافتة، لكن صداها رنّ في أرجاء الجناح الملكي كأنه إعلان رسمي بـانتهاء طقوس الغزو وانقشاع غيوم السُّعار. بقيت أحلام جالسة بمفردها في بؤرة ذلك السرير الشاسع، الذي تحولت ملاءاته الحريرية ووسائده الوثيرة إلى فوضى عارمة من التجاعيد والثنايا، الشاهدة على معركة حسية حاصرت أنفاسها وجسدها العاجي قبل دقائق معدودة.
لفّ الغرفة سكون مطبق، سكون غريب وثقيل حلّ محل تلك الآهات المبهوظة والصرخات المكتومة التي كانت تضج بها الجدران وتخترق مسامات الأثير الساخن.
تنفست الفتاة البيضاء بـبطء، والتفتت بـنظراتها الذابلة يمنة ويسرة في أرجاء الفراغ، كأنها تطارد بـعينيها بقايا طيف الفتاتين اللتين غادرتا المكان فجأة وتركاتها وراءهما مغيبة الوعي.
كانت حواسها لا تزال تحتفظ بـحرارة شفاه سارة الممتلئة، وقسوة أصابع ياسمين الشوارعية وهي تعتصر تضاريسها العذراء.
نهضت عن السرير بـوهن شديد وضعف مسلوب الإرادة، وسارت بخطوات واهنة فوق الأرضية الدافئة نحو المرآة البلورية الكبيرة التي تتوسط الحائط الجانبي، حيث كان انعكاس جسدها ينتظرها بـعراء جزئي يفيض بالخجل والحيرة.
وقفت أحلام أمام المرآة، وحدقت بـتركيز مجهري في ملامح وجهها وجذعها العلوي الذي تخلى عن قيوده البيضاء؛ كانت بشرتها المرمرية تبدو ناصعة البياض تحت الضوء الخافت، لكنها امتلأت بـآثار الاجتياح الأنثوي المزدوج.
رفعت يدها النحيلة بـبطء، وتلمست بـرأس أناملها المرتجفة تلك البقع المتوردة، الساخنة، والقانية التي تركتها أسنان سارة وقبلاتها العنيفة على عنقها المرمري الطويل ونحرها الغض.
بـحركة لا إرادية تنبض بـحب الاستطلاع الفطري، أزاحت الروب الشيفون الأبيض برفق عن كتفها الأيسر، كاشفةً بالكامل عن نهدها الشامخ النقي الذي تحرر للتو من أسر الحمالة؛ امتدت أصابعها لتتحسس بـرقة شديدة تلك الحلمة الوردية المتصلبة التي كانت تلتهمها ياسمين بـجشع لسانها ولعابها الساخن قبل قليل. نظرت أحلام إلى تفاصيل صدرها البكر في المرآة، وشعرت بـأن شيئاً ما قد تبدل في جغرافية جسدها وفي تكوينها الداخلي؛ فقد أيقظت هاتان المرأتان وحش الأنوثة الكامن في أعماقها، وتركتاها في مواجهة صامتة مع رغبات لم تكن تعلم بـوجودها خلف أستار الحياء القديم.
تراجعت أحلام بخطوات بطيئة إلى الخلف، وعادت لتجلس على حافة السرير الفوضوي، واضعةً كفيها الصغيرتين الناعمتين على وجهها المحمر من فرط التدفق الدموي والتوتر؛
وفي تلك اللحظة الفاصلة، انفجرت بـبكاء مرير، ونشيج صامت هز كتفيها العاريتين بـقسوة.
لم يكن بكاؤها هذه المرة كـالمرات السابقة؛ لم تبكِ على والدتها، ولا على زوجها، ولا على كل من فقدتهم من أحبتها طيلة حياتها القاسية ، ولم يكن نتيجة أحداث الليلة الفائتة ومحاولة الاغتصاب التي نجت منها بـأعجوبة تحت ظلال الليل.
بل كان بكاؤها لـسبب مبهم وعميق، سبب لا تعرفه هي نفسها ولا يستطيع عقلها الطفولي تفكيك شفراته؛
كانت دموعها مزيجاً غريباً من صدمة الحقيقة، وراحة النجاة، وشعور طاغٍ بالضياع والاضطراب العاطفي تجاه امرأتين حاصرتها بين مخالب القسوة وأحضان الحنان، ومنحنها الأمان المشروط بـعشق جارف لم تتذوق مثله من قبل في عالم الرجال البارد.
في غرفة النوم المجاورة، حيث تلاشت أضواء الصخب وتحولت الأجواء إلى مناخ من العاطفة الثنائية المستقرة، كانت الفتاتان مستلقيتين قرب بعضهما فوق الفراش الدافئ، يلفهما صمت طويل وثقيل ينم عن عمق المراجعة النفسية التي مرتا بها بعد اكتشاف عذرية العصفورة.
كسر هذا السكون تنهيدة دافئة صدرت من جوف ياسمين، التي التفتت بـوجهها الخمري المفتول نحو سارة، وقالت لها بـبحة شوارعية خفتت حدتها لـتفيض بـإنسانية نادرة:
”البت دي غيرت حاجات جوانا يا سارة… بطيبتها و جمالها.”
لم ترد سارة بـالكلمات أو العبارات المعسولة، بل كان ردها حاسماً وعملياً يعكس طبيعة العلاقة الراسخة التي تربطها بـشريكتها في الجريمة والمتعة؛
استدارت بـجسدها الممشوق المتشح بالشيفون الأسود، وألقت بـكامل ثقلها ونعومتها فوق جسد ياسمين الخمري العريض، ممسكةً بـكتفيها بـشغف قديم.
انحنت وارتطمت بـشفتيها الممتلئتين فوق شفتي ياسمين بـقبلة جارفة وعميقة، قبلة أعلنت بها إغلاق ملف العصفورة مؤقتاً، وبدء جولتهما الخاصة واللاهبة لتلك الليلة، مستعوضتين بها عن فوران الرغبة المكبوتة التي تراجعت عند حدود العذرية المصونة.