بين حبالها و السيليكون
-
وقفت ريم وسط الغرفة التي لا تزال تفوح منها رائحة الطلاء الجديد، يداها على خصرها وهي تراقب صناديق الكرتون المفتوحة والأشياء التي لم تجد مكانها بعد. كان انتقالهم لهذه الشقة “بداية مفترضة”، لكن الفوضى حولها كانت تشبه تماماً حالتها من الداخل؛ كل شيء مبعثر، وكل شيء ينتظر الترتيب.
توقفت عيناها عند المرآة الكبيرة؛ كانت لا تزال مسندة إلى الحائط بوضع مائل، لم تجد من يرفعها ويعلقها بعد، تماماً كحياتها المعلقة. اقتربت منها، وفي لحظة اعتراف صامتة، وقفت أمام انعكاسها.
رفعت شعرها الأسود الفاحم، وبحركة مليئة بالأنوثة، ألقته فوق كتفها لينساب بنعومة فائقة فوق صدرها، كشلال من حرير أسود يلمع تحت ضوء الغرفة الخافت.
تأملت نفسها، استدارت يميناً ثم يساراً ببطء، تتفحص تفاصيلها بنظرة راضية، وكأنها تعيد اكتشاف جمالها .
ابتسمت ابتسامة باردة، فيها الكثير من الاعتداد والكثير من الوجع المكابر.
همست لنفسها بلهجة واثقة:
«يؤبشني هالجمال.. والله يا ريم ما في أحلى منك بكل الدنيا. خليه يروح يشوف وين بده يلقى متل هالأنوثه. والجمال. خليه يشبع من أمه، والله بكرة ليدور عليكي بكل الوجوه وما يلاقيكي.»
صدح صوت أمها من المطبخ لينهي خلوتها: «ريم! ولك يا ريم.. طلعي شوفي مين عالباب، !»
زفرت ريم بضيق، وعدلت خصلة من شعرها وهي تتمتم بحنق:
«يا ربي.. يعني ما في غير ريم بكل هالبيت؟ لسا ما لحقنا نحط غراضنا، بلشت الطلبات!»
فتحت الباب فواجهتها امرئه في الثلاثينات تحمل بيم يديها سفرة عليها اطباق تطعم متنوعه تفوح منها رئحه زكيه.
“مرحبا. انا جارتكم هون الشقه يلي جنبكون. شفتكم عم تقنلو من الصبح قلت لحالي ما رح تلحقو تطبخو شي”
ناولتها السفره.
“شكرا كتير ولله ما كان في داعي تعزبي حالك، تفضلي تفضلي فوتي”
“لا شكرا بجيكم اكيد بس تظبطو اموركم . ليكي الباب جنب الباب”
“مين يا ريم”
صرخت امها من المطبخ.
“ماما هي جارتنا “
“خلص خلص تريكها عم تشتغل . الله يعطيكم العافيه يالله عن اذنك و سلميلي عالماما”
خلف أبواب الجيرة
أغلقت ريم الباب بضربة خفيفة من قدمها، فقد كانت يداها تحتضنان السفرة الدافئة بحذر. في تلك اللحظة، هجم رامي الصغير من خلف حصون الصناديق الكرتونية، وتبعه ركض “رغد” التي بدت وكأن حواسها استيقظت على نداء رائحة الطعام الزكية. نظرت ريم إلى السفرة، ثم إلى وجوه إخوتها المليئة باللهفة، وفجأة، انطلقت منها ضحكة صافية، كانت الأولى منذ أن قرر أهلها حزم أمتعتهم والرحيل.
قالت وهي تضع الأطباق وسط العجقة:
«والله لولا هالجارة، كنا رح نقضيها اليوم صندويشات جبنة وزيت وزعتر!»
مضت بضعة أيام، استقر فيها كل أثاثٍ في مكانه، وباتت الشقة الجديدة مجهزة بالكامل، لكن غرفتها -رغم كل شيء- لم تمنح ريم ذاك الشعور بالأمان الذي كانت تنشده.
كانت تقف أمام نافذة غرفتها التي تطل على المدينة الممتدة تحتها كبحر من الأضواء، إطلالة رائعة تخطف الأنفاس، لكن عين ريم لم تكن تبحث عن الجمال في الخارج.
كانت النافذة بالنسبة لها مجرد “شاشة” تعرض عليها صوراً مريرة ترفض أن تغادر مخيلتها.
كانت تسترجع شريط طلاقها من “أحمد”؛ تلك الصدمة التي هزت كيانها بعد زواجٍ لم يدم أكثر من شهرين، لتبدأ بعدها رحلة النزوح القسري بسبب عمل والدها الجديد.
لم يكن وجعها يقتصر على “أحمد” فحسب، بل كانت تحنّ لكل تفصيلٍ تركته خلفها؛ صديقات طفولتها اللواتي اقتُلعت من بينهن، جيرانها الذين كانت تعرف وقع أقدامهم، وشوارع قريتها التي تحفظ كل حجر فيها. حتى ذاك الشاب “البغيض” الذي كان يلاحقها بكلمات الغزل أثناء عودتها من المدرسة، شعرت فجأة بفقده؛ ليس حباً به، بل لأنه كان جزءاً من “الأمان” الذي كانت تعيشه قبل أن ينهار كل شيء.
كانت تقف هناك، غريبةً في مكانٍ جميل، ترقب مدينة لا تعرفها، وتحمل في صدرها قريةً لا تريد أن ترحل عنها.
في صباح اليوم الرابع، استيقظت ريم والضيق ينهش صدرها.
توجهت إلى المطبخ حيث كانت أمها تُعدّ إفطاراً بسيطاً، وقالت بنبرة لا تخلو من التذمر:
«صباح الخير.. يعني يا ماما شو؟ جينا نتحبس هون؟ لا نشوف حدا ولا حدا يشوفنا، والحيطان كأنها عم تضيق عليي!»
التفتت إليها الأم بهدوء، وكأنها تفهم ما يمر في رأس ابنتها من ذكرياتٍ وصور، وقالت:
«صباح النور .. طولي بالك، اليوم إن شاء الله منأخد إخواتك ومنشوف شي حديقة قريبة يركضوا فيها شوي. بس هلا غسلي وجهك، وروحي دقي الباب على جارتنا..
خدي لها معك السفرة والصحون، واعزميها تجي تشرب عنا فنجان قهوة، .»
رغم غيمة الحزن، ارتسمت على وجه ريم ابتسامة صغيرة، وكأن فكرة “القهوة” والجارة قد لمست فيها حاجةً للتواصل.
ذهبت إلى الحمام، غسلت وجهها، واستعدت للمهمة.
عند باب الجارة، وضعت ريم السفرة على الأرض للحظة، طرقت الباب طرقاً خفيفاً متردداً، ثم سرعان ما انحنت وحملت السفرة مجدداً لتكون جاهزة للمناولة. سكنت خلف الباب حركة خفيفة، ثم جاءها صوتٌ يسأل:
«مين؟»
أجابت ريم بنبرة رقيقة، فيها مزيج من الخجل واللطف
«أنا ريم.. بنت جيرانكم الجدد.»
فُتح الباب ببطء، لتطلَّ “سمر” بابتسامتها الدافئة التي بدت في ذلك الصباح وكأنها قطعة من ضوء الشمس. كانت ترتدي ثوباً منزلياً بسيطاً، وقد رفعت شعرها بعفوية زادت من رقة ملامحها.
قالت سمر بترحيب حار:
«أهلين ريم! يا مية أهلاً وسهلاً، تفضلي ليش معذبة حالك وحاملة هالسفرة الثقيلة؟»
مدت ريم السفرة بيديها وقالت بامتنان:
«يسلم دياتك يا رب، والله الأكل كان بياخد العقل، غلبناكي كتير. وماما بتسلم عليكي وبتقلك إذا فيكي تتفضلي لعنا تشربي فنجان قهوة، حابة تتعرف عليكي وتتشكرك.»
برقت عينا سمر بلمحة من السرور، وكأنها هي الأخرى كانت تنتظر هذه الدعوة، وقالت:
«إي والله، اجت بوقتها! القهوة ما بتطيب إلا مع الجيران. ليكي، ثواني بس بطفي بغير ثيابي وبكون عندك، ما رح أتأخر.»
هزت ريم رأسها بالموافقة وهي تشعر براحة غريبة تسري في داخلها، راحة لم تعتدها منذ زمن. عادت إلى بيتهم، وبعد دقائق قليلة، طُرق الباب بخفة.
دخلت سمر وهي تحمل معها طاقة من الحيوية، تبادلت مع الأم عبارات الترحيب السورية المعتادة:
جلست سمر بجانب ريم على الأريكة ‘ بينما كانت الأم تصب القهوة التي ملأت رائحتها المكان، بدأت سمر تتحدث بأسلوبها السلس والممتع، تقصُّ عليهنَّ بعض الحكايا عن الحي وسكانه.
كانت ريم تراقب سمر وهي تتحدث؛ كانت تلاحظ طريقة حركة يديها، ونبرة صوتها الواثقة والهادئة في آنٍ واحد.
ولأول مرة منذ انتقالها، لم تفكر ريم في “أحمد”، ولا في قريتها، ولا حتى في ذكرياتها المريرة.
كان كل تركيزها منصباً على هذه المرأة التي تجلس بجانبها، والتي بدأت تكسر جدران العزلة حول قلبها دون أن تشعر.
همست ام رامي لريم وهي تغمزها بلطف:
«شفتي يا ريم؟ قلتلك بكرا بتتعودي ز بتحبي البيت.. وهي الله بعتلك صديقه غير شكل!»
انقضت ساعة القهوة سريعاً، وبدأت الخيوط الأولى لعلاقة ودية تنسج بين الجارتين. وافقت سمر بحماس على مرافقتهم إلى الحديقة القريبة، قائلة بضحكة: «منه بنشم شوية هوا، ومنه رامي ورغد بيفكوا عن قلبهم شوي».
في الحديقة، كان رامي ورغد يركضان بخفة فوق العشب الأخضر، يطاردان أحلامهما الصغيرة .
جلست ريم وسمر على مقعد خشبي تحت ظل شجرة كينة عتيقة، بينما فضلت الأم الجلوس على مقعد قريب تراقب الصغار من بعيد.
كان الهواء عليلاً، لكن الصمت الذي خيّم للحظات بين ريم وسمر كان محملاً بأسئلة مخبأة.
قطعت سمر الصمت وهي تنظر إلى المدى بعينين فيهما بريق من شجن:
«بتعرفي يا ريم.. الشقة هي بتكون أغلب الوقت هادية زيادة عن اللزوم، لولا صوت التلفزيون وشوية شغل كنت جنيت من الوحدة.»
التفتت إليها ريم بفضول: «ليش سمر؟ يعني زوجك مو معك على طول؟»
تنهدت سمر مسندةً ظهرها إلى المقعد، وقالت بنبرة هادئة وواقعية:
«زوجي سعودي.. وبحكم شغله والتزاماته هنيك، ما بيجي لعندي غير أسبوعين كل كم شهر. يعني متل ما بيقولوا: زاير وخفيف.»
لمحت ريم في نبرة سمر نوعاً من التسليم بالواقع، فسألتها بتردد: «وما فكرتي تروحي تعيشي معه هنيك؟»
ابتسمت سمر ابتسامة باهتة وقالت بلهجة شامية صريحة:
«والله يا ريم، القصة مو قصة تفكير.. القصة وما فيها إنو هوه متزوج و عندو ولاد هونيك و انا اساسا تزوجته تلبية لرغبة أهلي. وضعنا المادي كان كتير تعبان، وأهلي شافوا بهالزواج سترة لي والهم. هو إنسان منيح وما قصر بشي، بس القلب.. القلب صعب يقبل بالواقع.»
نظرت ريم إلى سمر، وشعرت لأول مرة أن خلف هذا الجمال والروح المرحة وجعاً يشبه وجعها، وإن اختلفت الأسباب.
كلاهما ضحية لظروف أو قرارات لم تكن لهما يد فيها بالكامل.
تابعت سمر وهي تداعب غصناً صغيراً بيدها:
«تعودت على الوحدة، وصارت هي رفيقتي. بس لما شفتكم عم تنقلوا، حسيت بشي عم يتحرك جواتي، كأنه صار لي روح بالبناية.. .»
لمست كلمات سمر وتراً حساساً في قلب ريم، فشعرت برغبة مفاجئة في الاقتراب أكثر، وفي أن تخبرها بأنها هي أيضاً لم تعد تشعر بالغربة بوجودها.
قالت ريم بصوت خفيض: «صدقيني سمر، أنا كمان كنت حاسة حالي مخنوقة، بس حكيك اليوم ريحني كتير.»
عاد الجميع إلى المنزل مع مغيب الشمس.
كان التعب قد نال من رامي ورغد، فاستسلما للنوم سريعاً، بينما غلب الصمت على ريم وهي تساعد أمها في تحضير شاي المساء.
ودّعتهما سمر عند باب الشقة بابتسامتها المعتادة، لكن كلماتها عن زوجها و”القلب الذي يسكن في مكان والواقع في مكان آخر” بقيت ترنّ في أذني ريم كجرسٍ لا يهدأ.
دخلت ريم غرفتها، وأغلقت الباب خلفها بهدوء. لم تذهب إلى النافذة هذه المرة لتراقب أضواء المدينة، بل توجهت مباشرة نحو المرآة التي كانت قد علقتها إلى الحائط .
وقفت أمامها، وراحت تتأمل وجهها في ضوء المصباح الخافت.
فكرت في سمر.. تلك المرأة التي تبدو للوهلة الأولى وكأنها تملك كل شيء؛ الجمال، والبيت المال، والزوج المقتدر مادياً، لكنها في الحقيقة تعيش “حبساً” من نوع آخر، حبساً مغلفاً بالرفاهية والوحدة.
قارنت بين “أحمد” الذي كسر قلبها بسبب غيرة امه، وبين زوج سمر الذي أشتراها بماله.
شعرت بنوع من التضامن الخفي معها، وكأن سراً ثقيلاً بات يربطهما دون أن تدرك سمر ذلك.
تمتمت ريم وهي تلامس خصلات شعرها:
«أتاري الكل موجوع.. بس وجع عن وجع بيفرق. هي عم تضحي كرمال أهلها، وأنا كنت عم ضحي كرمال واحد ما بيستاهل..»
ولأول مرة، لم يكن تفكيرها في سمر نابعاً من الفضول، بل من إعجابٍ صامت بقوتها وقدرتها على الابتسام رغم كل شيء.
شعرت ريم برغبة في أن تكون قريبة من تلك الهالة التي تحيط بسمر، ليس فقط للهرب من ماضيها، بل لأن سمر أصبحت تمثل لها نوعاً من “النضج” الذي تفتقده.
استلقت ريم في فراشها، وراحت تنظر إلى السقف وهي تستعيد نبرة صوت سمر في الحديقة.
لم تكن تعلم أن هذه “الجارة” ستبدأ قريباً، وبذكائها ونضجها، في رسم مسارٍ جديد تماماً لحياة ريم، مسارٍ يتجاوز حدود الجيرة العادية.
اشترك الآن
انضم إلى رواياتي لتصلك أحدث الروايات الرومانسية مباشرة إلى بريدك.