ثمن الكلمة
في مساء نفس اليوم، وبينما كانت ميرفت في الصالة مُستلقية واضعةً رأسها على فخذه، وكان يمسح شعرها بكف يده بهدوء، شعرت بنبض قلبه المنتظم تحت خدها عبر سرواله الناعم.
كانت لحظةً من السكون الدافئ جعلتها تنسى، للحظة، كل شيء خارج دائرة هذه الأريكة.
قال عصام بصوت هادئ لا يريد إزعاج السكينة: “حاطلع أجيب حاجة من غرفتي”.
بعد برهة قصيرة يعود عصام ممسكًا بيده ذلك الظرف العاجي، ويلقي به أمامها على الطاولة بصوت خفيف.
“خُذي، اقرئي المكتوب فيه”.
تلتقط ميرفت الظرف بيدها وهي تنظر في عينيه نظرة استفهام ممزوجة بشك لطيف.
“إيه ده؟”
“افتحيه و حتعرفي”.
قال لنفسه في صمت: *ربنا يستر*
تأخذ الظرف بتردد وتفتحه.
عيناها تمسح السطور.
شَحَبَتْ وَجْنَتَاهَا فجأة كما لو أن الدم نُزح منهما.
اتسعت عيناها، ثم ضاقت حدقتاهما وهي تمسك بالورقة.
لم تعد ترى الكلمات، بل كانت ترى إهانة عمرها كله مكتوبة بخط والده.
ارتجفت يدها حتى ظنَّ أن الورقة ستسقط منها.
صوت حرير الورقة وهو يرتعش كان الصوت الوحيد في الصالة.
زَمْجَرَت وهي تقذف الأوراق:
“ابن الشرموطة! ابن الوسخة! حتى وهو ميت بيئذيني! هو فيه حد كده في الدنيا؟ الإنسان دا معمول من إيه؟ مش فاهمة. حتى بنته اللي هي بنته ما رحمهاش”.
ثم دارت عيناها نحوه، وتحولت الصدمة إلى جمرة متقدة.
“وأنت كمان، على فكرة، مانتاش أحسن منه. إنت إزاي تخبي عليَّ حاجة زي كده؟ كل الوقت ده… وأنت ساكت؟ كنت بتستغلني؟”
انفجرت أخيرًا:
” كنت بتعمل كده عشان تاخد حاجتك مني؟”
تقول هذا بينما تتغير ملامح وجهها وتبدأ بالبكاء، دموع الغضب والذل تسيل بحرقة.
“لا والله مش كده. بس أنا ما كنتش عاوز أشوفك في الحالة اللي إنتي فيها دي يا ميرفت. وبعدين، أنا أساسًا مش مقتنع بأي حاجة من اللي في الورق ده، وأنا مستحيل أظلمكِ إنتي أو مريم. وكمان أنا ما كنتش–”
تقاطعه ميرفت بانفجار:
“بس كفاية كذب! كلكم كذابين! أنا عايزاك تجيبلي بنتي بأسرع وقت، وبعد كده مش حتشوف وشي تاني، ومش عايزة حاجة من فلوسكو الوسخة زيكو!”
يقترب منها محاولاً وضع يده على كتفها وتهدئتها، فتقوم بدفع يده بعنف قائلةً له:
“أوعى تلمسني تاني يا حيوان!”
اخترقت كلمة* يا حيوان* صدره كسهم من جليد.
شعر وكأن الهواء نُزع من رئتيه.
أدارت ظهرها واتجهت راكضةً إلى غرفتها.
انطلق صوت إقفال الباب مُدوِّيًّا في صمت الفيلا الشاسع، ليس كإغلاق عادي، بل كدويّ سجن يُغلق على وحدة شقية.
ارتطم الصوت بجدران القاعة الفارغة وعاد إليه صداه مدوياً.
بينما يبقى عصام مُتجمِّدًا في مكانه، مصدومًا من ردّة فعلها.
نظر إلى الأسفل.
الظرف العاجي البارد ملقى على السجادة، بجانب أوراق مبعثرة تشبه جثة أسرار ذُبحت أمامه.
يَصْعَد إلى غرفته، يقف أمام النافذة، عيناه تنظران إلى المطر المتساقط بينما عقله يُعيد تكرار تلك الجملة:
*أوعى تلمسني تاني يا حيوان!*
لم يعد يسمع المطر.
الكلمة كانت تدور في جمجمته.
*هي إزاي تكلمني بالطريقة دي؟ دي غلطتي أنا من الأول، أنا اللي حسّستها إني حد ضعيف، وإنها ممكن تتمادى زي ما هي عايزة.*
تذكر كلام أمه فجأة، وابتلع ريقًا مرًا.
*أنا مش لازم أنسى كلام ماما، الله يرحمها، ساعة ما قالتلي: أوعى تخلي حد يكسرك. هي القحبة دي فاكرة نفسها حتزلني بجمالها؟*
في نفس الوقت، في الطابق السفلي: تتهاوى ميرفت على الأرض مستندة على الباب من الداخل.
لم تكن تبكي بصوت، بل كانت دموع صامتة ساخنة تحرق خديها بينما كان صدرها يهتز من الداخل كمن تختنق.
*يعني هو عصام دلوقت بيملك كل حاجة، ويقدر يرميني في الشارع زي الكلبة؟*
فكرت بحنق.
*بس هو لو عاوز يعمل كده، إيه اللي يخليه يعاملني باللطف ده؟ هو شاب في أول عمره، والفلوس اللي عنده لوحدها تخلي أي واحدة تترمى في حضنه. ليه اختارني أنا؟*
ثم ضربتها الفكرة كالصاعقة.
*وبعدين… بنتي! مافيش حد في الدنيا غير هو اللي يقدر يرجعلي بنتي*.
أغمضت عينيها، واندلق ندمٌ باردٌ في أحشائها.
بدأ عقلها يعمل بسرعة، محللاً خطأها.
*أنا بصراحة أسيت عليه. ما عرفتش أتحكم في أعصابي. إذا كان أبوه سافل وابن متناكة، مش لازم هو يكون زيه. أساسًا فرق كبير أوي ما بينه وما بين أبوه. أنا لازم أصلح الغلطة اللي عملتها دي*.
بينما لا يزال عصام واقفًا أمام نافذة غرفته ينظر إلى اللا شيء، سمع طرقًا خفيفًا على باب غرفته.
لم يرد ولم يلتفت حتى.
فتحت ميرفت الباب بهدوء واقتربت منه، ثم قامت باحتضانه من الخلف وقالت له بصوت خافت:
“أنا آسفة يا عصام، ما كانش قصدي أجرحك.”
بقي عصام متجمدًا بمكانه كأنه قد تحول إلى تمثال.
لم يتحرك ولم يجب ولا حتى بحرف واحد.
“آسفة والله، أنا مش عارفة أنا إزاي قلت الكلام ده. ارجوك سامحني”.
لكن عصام بقي متجهماً.
أمسك يديها المحيطتين بخصره مبعدًا إياها، ثم سار بخطوات هادئة مبتعدًا عنها ليجلس على سريره.
كانت حركته بطيئة ومتعمدة، كأن كل فعل يقطع خيطًا أخيرًا مما كان.
اقتربت ميرفت بحذر، وكأنها تدنو من جمرٍ لا تريد إخماده، بل تخشى أن تحترق ببرد غضبه.
جلست على حافة السرير، تاركةٌ بينهما مسافةً يعرف كلاهما أنها ليست فراغًا في المكان، بل هوة من الصدمة والجرح.
“يا عصام…”
بدأت، وصوتها خافت كحفيف ورقةٍ ذابلة.
“الموضوع مش موضوع مريم. الموضوع… إني مش عايزاك تزعل منِّي.”
كانت كلماتها تبحث عن أرضٍ صلبة في مستنقع من الندم.
“أنا كنت منفعلة… وما كنتش أقصد الكلام اللي قلته.”
هرولت بالكلمات كما لو أن سرعة نطقها قد تمحو فداحتها.
ثم أضافت، محاولةً إشراكه في ذنبها:
“حطّ نفسك مكاني… انت كان ممكن تعمل أكتر من كده.”
رفع عصامُ وجهَه نحوهَا للمرة الأولى منذ دخلت.
النظرة لم تكن غاضبةً فحسب، بل كانت مُقَاسةً، باردةً، كأنه يزنها بميزان جديد.
“طالما إنتِ شايفة إن هدفي كان استغلالك،”
قال، وكلماته مقطوعةٌ كحجارةٍ تسقط في بئر صمت.
“وطالما شايفاني حيوان… فالعلاقة ما بينا حتكون رسمية جداً من هنا ورايح “
توقّف، ليتأكد من أن كل كلمة تصل إلى مسامعها بثقلها الكامل.
“لأنّ كرامتي… أغلا من أي حاجه و أي حد. حتى لو كان مين”.
كانت جملته الأخيرة كخنجر أدار مقبضه ناحيتها.
فهمتْ أنها لم تهين رجولته فحسب، بل مسّت ذلك الطفل الجريح داخله الذي طالما حرس كرامته الوحيدة في غربته.
“عصام، قلتُ لك… دي كانت لحظة غضب”.
حاولت صوتها أن يكون حازماً فخانها، فخرج متهدجاً.
“ما كنتش أقصد أهين كرامتك”.
لكنه كان قد أدار جداراً من زجاج بارد بينهما.
لم يعد يرى دموعها، بل انعكاس صورته هو فيه: رجل قرر ألا يُكسر مرة أخرى.
نظر بعيداً عنها، نحو النافذة حيث كان المطر ينساب كدموع العالم الباردة.
“لو سمحتي…”
قال أخيراً، وصوته مفصولٌ بملايين الأميال عن ذلك الهمس الحميم الذي كان يذوب في أذنها قبل ساعات.
“سيبيني لوحدي.”
لم يكن طلباً، بل كان إنهاءً.
وقفت ميرفت وكأن رجليها من رصاص، تاركةً الغرفة التي صارت فجأة أوسع وأقسى.
صوت الباب وهو يُغلق خلفها لم يكن مجرد صوت، بل كان الفصل الأخير من قصيدة الخطيئة.