أسألة بدون أجابات
دخل عصام بوابة المصنع في الصباح، وميرفت إلى جواره.
المكان بدا مختلفًا عن زيارته السابقة؛ ليس لأنه تغيّر، بل لأنه هو الذي تغيّر.
صوت الماكينات، رائحة المواد الخام، حركة العمال…
كل شيء كان واقعيًا أكثر مما يحتمل.
عصام (في داخله):
ده المكان اللي عاش فيه أبويا أكتر ما عاش في البيت.
المكان اللي شكّه كان شغال فيه بنفس انتظام الماكينات دي.
ميرفت مشت بخطوات هادئة.
لم تكن متوترة، لكنها كانت يقِظة — ذلك النوع من اليقظة الذي تتعلّمه امرأة عاشت طويلًا وهي تحسب كل حركة.
ياسين
اقترب ياسين من آخر الممر.
رجل في أوائل الأربعينيات، هندامه مرتب دون مبالغة، صوته ثابت، عيناه واضحتان.
مدّ يده لعصام أولًا.
مصافحة رسمية، محكمة.
ثم التفت إلى ميرفت.
لا شيء لافت…
ولا شيء عادي تمامًا.
ابتسامة قصيرة، تبادل تحية، توقف نصف ثانية قبل الكلام.
عصام (حديث النفس):
هو وقف ليه؟
ولا أنا اللي بدوّر على وقفات؟
بدأ ياسين يشرح نقطة تتعلق بالإنتاج.
حين وجّه كلامه لميرفت، انخفض صوته تلقائيًا، كما لو أن عقله اختارها لا إراديًا شريكة في الفهم.
ميرفت مالت برأسها قليلًا، تستمع.
ميرفت (في داخلها):
خليكِ طبيعية.
مافيش حاجة تخليلكي تتوتري.
لكن جسدها لم يكن مقتنعًا تمامًا.
الذاكرة القديمة لا تحتاج حدثًا كي تستيقظ… أحيانًا يكفي صوت.
عصام (يراقب من بعيد):
قريبين؟
ولا المساحة دي بس عشان المكان ضيق؟
أبويا كان بيشوف خيانة في أقل من كده.
لم يسمع ما يقولانه.
لم يكن صوتهما ما يُسمع أصلًا.
لكن الصمت القصير بين جملة وجملة كان كافيًا ليملأ رأسه بالأسئلة.
داخل رأس ميرفت
كانت تعرف هذه النظرة.
ليست نظرة ياسين…
بل نظرة الرجل الواقف بعيدًا يراقب.
ميرفت (في داخلها):
مش تاني…
أنا تعبت من إني أتحاكم على أشياء ما حصلتش.
أكملت الشرح مع ياسين، أنهت الحديث بهدوء، ثم عادت لتقف بجوار عصام.
لم تلمسه.
لم تنظر إليه مباشرة.
لكنها شعرت بثقله إلى جوارها.
طريق العودة
السيارة انطلقت في صمت.
المدينة تمرّ خلف الزجاج، والضوء يتبدّل.
قال عصام فجأة، بصوت محايد أكثر مما ينبغي:
“ياسين… أصوله إيه؟”
انقبض شيء خفيف داخل ميرفت.
ليس خوفًا… بل استعدادًا.
ميرفت (في داخلها):
السؤال ده كان جاي.
مش دلوقت… بس كان جاي.
“ليه بتسأل؟”
قالتها وهي تنظر للطريق.
“ملامحه مش عربية.”
صمتت لحظة.
لحظة واحدة
“أمه كانت من برّه.”
قالتها أخيرًا.
“يونانية… أو إيطالية. مش متأكدة.”
شدّ يديه على عجلة القيادة قليلًا.
“كنتي تعرفيه قبل كده؟”
هنا، لم يكن السؤال اتهامًا.
كان اختبارًا… حتى لنفسه.
ميرفت نظرت للأمام.
الطريق بدا أسهل من النظر إليه.
ميرفت (في داخلها):
الحقيقة مش دايمًا بتحمي.
وأحيانًا الكذب مش بيضر… بس بيوسّع الشك.
“يعني معرفه سطحيه كده .”
قالتها بهدوء.
لم تقل أكثر.
ولم تقل أقل.
عصام (في داخله):
هي ما كذبتش.
بس ما قالتش كل حاجة.
ولا يمكن مافيش حاجة تتقال أصلاً.
تذكر كلام أبوه
تذكّر الرسالة.
تذكّر جملة: «قد أكون مخطئًا».
.
.
.
رنّ هاتف ميرفت.
اسم عادل ظهر على الشاشة.
ردّت.
ثم جاء الصوت الذي غيّر الهواء داخل السيارة:
“ماما؟ أنا مريم.”
توقّف قلبها لحظة.
“عمي حجزلي طيارة. أنا جاية مصر بعد يومين.”
لم تبكِ.
لكن صوتها اهتزّ وهي تقول:
“بجد؟”
أغلقت الهاتف، والتفتت إلى عصام.
“مريم… بنتي… جاية بعد يومين.”
نظر إليها.
لم يبتسم فورًا.
عصام (في داخله):
“هوه ده الشغل الصح”
أومأ فقط.
السيارة دخلت بوابة الفيلا.
الليل كان قد بدأ .